سيطالعني كثيرون بتعليقاتٍ مختلفة، وربما باتهاماتٍ أو استغراب، لكنّي، بعد طول تردّد قررت أن أكتب هذه الكلمات، لا بدافع الجرأة، بل من يقينٍ رسخ في أعماقي. نحن على مشارف حربٍ ضروس، لا تشبه الحروب التي تسفك الدماء على الأرض، بل تلك التي ابتدأت منذ البدء، يوم تصادمت الإرادتان: إرادة النور وإرادة الكبرياء، يوم وقف ميخائيل في وجه لوسيفر، وانقسم الوجود بين ولاءٍ وخيانة. اليوم، وأقول اليوم لا بمعنى التاريخ الزمني، بل بمعنى الحقبة الكونية الممتدة، يحاول التنين أن يفكّ قيوده، لينقضّ على البشر، لأنّ البشر هم نقطة ضعف الله، نعم، الله الذي أحبّ الإنسان حتى جعله مرآة وجوده، صار الإنسان ثغر الكون الذي منه يدخل الشرّ إلى الخليقة. لكنّكِ يا مريم، يا صورة الطهارة الأولى، تشدّين بيدكِ المقدّسة على عنق التنين، لئلّا يبتلع النور كلّه ظلمةً واحدة. ومع ذلك، نحن بعلمٍ أو بجهلٍ منّا نساعده على فكّ قيوده، حين نبرّر الشرّ، ونزيّنه بالعقائد، وننادي باسمه ونحن نحمل في قلوبنا قتله. تأمّلوا ما يجري حروبٌ سوداء تشتعل باسم الله، وتُرفع فيها رايات المحبة لتغطي أفعال الكراهية. نتبع دياناتٍ تقتل باسم الخالق، ثم نقول: إنّ الله محبة. نجتاح دولاً باسم الدين، ونذبح الحرية في النفوس باسم الإيمان، وكلٌّ منّا يصرخ أن دينه هو الطريق الأوحد، وأن خلاص الأرواح لا يتمّ إلا في طريقه الضيّق، أيها الإنسان، ما أبعدك عن الله وما أقربك إلى الوهم لقد أصابنا العمى الفكري والروحي معاً؛ نعبد الرموز وننسى الحقيقة التي ترمز إليها، نُجالس الساسة كما لو كانوا أنبياء، ونمشي وراءهم كقطيعٍ لا يسأل إلى أين يُقاد، ثم نجلس في مقاهينا لنتجادل في وجود الله كما لو كان معادلةً هندسية أو فكرةً تُختبر بالعقل. قبل أن تناقش وجود الله، ناقش وجودك أنت ككائن فهل أنت موجود حقاً في عمقك، أم أنّك ظلّ يمشي على وجه الأرض؟ الله كان قبل إبراهيم، وسيبقى بعد كلّ أنبياء الأرض، لأنه هو الوجود في ذاته، والسبب الذي منه كان كل شيء أما بعض المدارس التي تُنسب إلى الباطنية، فتتغنّى بالطبيعة والشمس والقمر والأعمدة والرموز، غير مدركة أن كلّ ما ذكرته ليس إلا شذراتٍ باهتة من نور العليّ، ومرايا صغيرة تعكس بعضاً من بهائه. لقد وهبنا ذاته بكل أبعادها الكونية، ونحن آثرنا أن نعبد الظلال بدل النور، والجزء بدل الكلّ، والرمز بدل الحقيقة. أخي العزيز، ليس المهم أن تفكّر، بل أن تحبّـ فالفكر طريق، والحبّ هو الغاية، الله محبة .