
لم تُلغَ عقوبة الإعدام في لبنان رسميًّا، لكنها عُلِّقت فعليًّا منذ ما يزيد عن عقدين، هذا التعليق غير المعلن جعل النظام القضائي يعيش حالة ازدواجية قانونية خطيرة، فالقانون يفرض الإعدام في بعض الجرائم، بينما السلطة التنفيذية تمتنع عن التنفيذ. وهكذا، بين وجود النص وغياب التطبيق، يتكرّس مبدأ الانتقائية في العدالة، ويترسّخ شعور عام لدى المواطنين بأن الجريمة في لبنان لا تقتل. ينظّم قانون العقوبات اللبناني (المرسوم الاشتراعي رقم 340/1943) أحكام الإعدام في المواد المتعلقة بالقتل العمد، التجسس، الإرهاب، والخيانة العظمى ويُنفّذ الحكم بعد استنفاد جميع مراحل المحاكمة، على أن يُوقّع رئيس الجمهورية مرسوم التنفيذ وفقًا للمادة 53 من الدستور، وهنا تكمن المعضلة الجوهرية، هل صلاحية الرئيس هي إجرائية فقط (أي توقيع شكلي على حكم قضائي نافذ)، أم أنها صلاحية تقديرية تسمح له بتجميد التنفيذ لأسباب سياسية أو إنسانية؟ الاجتهاد الدستوري اللبناني لم يحسم المسألة، ما جعل السلطة التنفيذية تتجاوز عملياً السلطة القضائية، فتعطّل أحكاماً باتّة بحجة الرحمة، من دون سند قانوني صريح يجيز هذا التعليق المستمر. إن مبدأ فصل السلطات يقضي بأن القضاء، وحده، هو الذي يحكم، وأن التنفيذ من واجبات السلطة التنفيذية لا من خياراتها. فتعليق الإعدام لاعتبارات سياسية أو ظرفية هو مخالفة لروح الدستور وللمادة 20 التي تكرّس استقلال السلطة القضائية. لكن الواقع المتفلَت أمنياً من خلال جرائم قتل متكررة، وخطف مقابل فدية، واعتداءات مسلّحة، بل وصولًا إلى تحدّي القوى الأمنية علنًا، والاشتباكات مع وحدات اليونيفيل التي لا مبرر لها، يطرح سؤالًا صريحًا، هل يكفي تطبيق النصوص الجزائية الراهنة لردع المجرمين؟ بالطبع ليس رادعاً، لأن الإشكالية ليست في النص وحده، بل في ثقافة الإفلات من العقاب فالقانون، مهما كان صارمًا، يفقد قيمته إذا لم يُطبَّق بحزم وسرعة وعدالة متساوية. مع ذلك، يجب الاعتراف بأن إعادة تفعيل تنفيذ الإعدام في بعض الجرائم الشنيعة قد يحمل رسالة رمزية حاسمة بأن الدولة استعادت هيبتها، لكن هذا لا يكون مقبولًا إلا ضمن منظومة عدالة جنائية نزيهة وسريعة ومستقلة، لا في ظل قضاء مثقل بالضغوط السياسية والطائفية. إن تطبيق القانون القائم بحذافيره يُعتبر واجبًا دستوريًا قبل التفكير بتعديله، لكن حين يصبح التطبيق انتقائيًا أو مجمّدًا، فالأجدى أن ننتقل إلى مرحلة التعديل الجذري بدل ترك العدالة معلّقة بين الحياة والموت. في التطبيق، ينبغي أولًا إلزام السلطة التنفيذية بتنفيذ الأحكام القضائية الباتّة، وإذا كان هناك اتجاه سياسي أو أخلاقي لعدم تنفيذ الإعدام، وجب أن يُعلن ذلك بقانون صريح يصدر عن مجلس النواب، لا بقرار إداري ضمني فالدولة لا يمكن أن تبقى في منطقة رمادية قانونية، تُبقي النص نافذًا ولا تطبّقه. اما في حالة التعديل، إذا اتجهت الدولة إلى إلغاء الإعدام، فالمطلوب ليس فقط الحذف الشكلي من النصوص، بل إصلاح شامل لقانون العقوبات بما يضمن بدائل عقابية صارمة وفعّالة، مثل، السجن المؤبّد غير القابل للتخفيف أو العفو في الجرائم العمدية الخطيرة، نظام الأشغال العقابية بما يحوّل العقوبة إلى إنتاج وعمل يخدم المجتمع، إصلاح نظام العفو الخاص والعام الذي أصبح وسيلة سياسية لتعطيل الأحكام، مع إعادة النظر بكافة الأحكام الصادرة خلال فترة الاحتلال السوري لأنها فاقدة للشرعية. بكلمة أخرى، إما تطبيق صارم للنص القائم، وإما تعديل جذري واضح ومعلن، لا أن نبقى أسرى حالة التردد بينهما. لكن ما هو البعد الأخلاقي والحقوقي لذلك، كوننا لا نستطيع إغفال البعد الإنساني في عقوبة الإعدام، إذ تتناقض مع فلسفة إصلاح المجرم ومع التزامات لبنان الدولية، وخصوصًا العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، لكن في المقابل، من الخطأ أيضًا أن تتحوّل الرحمة إلى تهاون في وجه الجريمة. فالعدالة ليست نقيض الرحمة، بل هي ميزانها، والرحمة لا تكون إلا في ظلّ عدالة مطبّقة على الجميع. ولذلك، فإن المطالبة بإلغاء الإعدام لا يمكن أن تكون بمعزل عن إصلاح حقيقي للنظام القضائي، يضمن سرعة المحاكمات، نزاهة التحقيقات، توحيد المرجعيات القضائية وتحر القضاء من التدخلات السياسية والطائفية. لبنان لا يحتاج الى المقصلة بل الى سلطة قضائية قوية، مستقلة، لا تخضع لتهديدات من هنا او هناك كما حصل مع القاضي بيطار في قضية المرفأ والتي هي قضية القرن في لبنان. إن أزمة الإعدام في جوهرها ليست أزمة نصّ، بل أزمة دولة القانون والادارة نفسها، فحين تُصبح الجريمة محميّة، بطوائف، او بسلاح غير شرعي كالسلاح الفلسطيني وسلاح حزب الله، والمجرم نافذًا، والمواطن الضحية مجرّد رقم في نشرات الأخبار، تصبح العدالة شكلاً من أشكال الفوضى المؤسساتية. لذلك، فإن النقاش حول الإعدام يجب أن يتقدّم إلى ما هو أبعد من تنفيذه أو تعليقه، ليصل إلى إعادة هيكلة المنظومة الجزائية برمتها، بحيث يُعاد تعريف مفهوم الردع بما يتناسب مع واقع الجريمة الحديثة، وتُلغى صلاحيات التدخّل السياسي في العفو أو التخفيف. هل يحتاج لبنان الى مجلس أعلى للعدالة الجنائية لمراقبة حسن تطبيق العقوبات؟ سؤال بحاجة الى نقاش عميق ما بين نقابة المحامين والسلطة القضائية للوصول الى حالة مرضية. إن لبنان، الذي يفتقد اليوم إلى الحد الأدنى من الأمن والعدالة، يقف أمام مفترق مصيري فإما أن تستعيد الدولة هيبتها بتطبيق القوانين بعدالة كاملة، وإما أن تُعلن بشجاعة تعديلها بما ينسجم مع معايير العصر وحقوق الإنسان، أما الاستمرار في تعطيل القانون باسم الإنسانية، فهو أخطر أشكال التواطؤ مع الفوضى فالرحمة بلا عدالة ليست إنسانية، والعدالة بلا تطبيق ليست عدالة. هل العدالة بالإفراج عن مصطفى المقدم الذي قتل النقيب سامر حنا بأربع طلقات على مروحية للجيش اللبناني من مسافة حوالي 300 مترا، فهل الحكم كان عادلاً وخصوصاً أنه أُطلق سراح المجرم بعد ستة أشهر.
من يتحمّل المسؤولية الجنائية والسياسية عن اغتيال النقيب سامر حنا، وعن سائر حالات الاغتيال التي شابها غياب تحقيق شفاف ونزيه؟ وهل ما زال هناك من ملفات مفتوحة لم تُغلق بشكل قانوني؟ لماذا ما زالت بعض ملفات الاغتيالات والاعتداءات تُرمى إلى أرفف النسيان بينما تُوظّف ملفات أخرى سياسياً؟ من يستفيد سياسياً من إبقاء العدالة مُربكة وانتقائية؟ أين انتهى التحقيق القضائي في تفجير مرفأ بيروت؟ وهل ستصدر نتائج واضحة تربط الفاعل بالمساءلة السياسية والقضائية، أم سيبقى الضحايا ينتظرون قرارًا اتهاميًا واضحًا ومُنفّذاً؟ كيف نفسّر استمرار تعطيل بعض التحقيقات الجنائية الثقيلة أو عرقلتها أمام قاضٍ محقق رغم وجود أدلة وشهادات، وهل ثمة ضغوط سياسية أو طائفية أو أمنية تحول دون إصدار قرارات اتهامية؟ في قضية مقتل المواطن ليو بسلاحٍ فلسطيني، من الذي يتحمّل مسؤولية انتشار السلاح غير الرسمي في الأحياء؟ وما دور الأجهزة الأمنية في منع تداول أسلحة خارجة عن إطار الدولة؟ هل الدولة جاهزة لفرض سيادتها على السلاح أم أن وجود ميليشيات ونفوذ مسلّح تابع لأطراف داخلية أو خارجية يحول دون ذلك؟ وما آلية ردع من يستخدمون السلاح في جرائم مدنية؟ هل هناك تمييز في تطبيق الجزاءات ضد مجرمين ينتمون إلى جهات سياسية أو طائفية مقارنةً بآخرين من دون غطاء؟ وكيف نكسر إحساس الإفلات من العقاب؟ إذا كانت صلاحية رئيس الجمهورية بصيغة التوقيع وفق النص الدستوري (المادة 53) قابلة للتفسير، فأين المراجع الدستورية والقانونية التي تحدد حدود هذه السلطة؟ وهل ثمة حاجة لتعديل دستوري أو تشريعي لتبيان الأمر؟ أخيرا وليس آخراً هل سنقبل بحلٍ يقوم على معيار واحد للعدالة يطبّق على الجميع مواطنًا، عنصرًا مسلحًا، مرجعًا سياسياً، أم نواصل حياة الازدواجية التي تقوّي الفوضى وتُضعف الدولة؟ السؤال الملك في لحظة مصيرية للبنان، اين العدالة والمساواة بين من أبعد قسرا الى إسرائيل هرباً من سلطة الميليشيا المتحكمة في الجنوب وبين من تعامل وكان عميلاً سورياً او ايرانياً. هل ملف إتيان صقر أبو أرز هو ملف قانوني وقضائي؟ هل الأحكام الصادرة بحقه هي احكام صادرة عن سلطة قضائية مستقلة أم كانت احكاماً معلبة هدفها خدمة النظام الأسدي المجرم ومن بعده حزب الله الإيراني الهوى والمنشأ، إذا كانت السلطة السابقة حاكمت أبو ارز وكل المبعدين بتهمة العمالة المضحكة المبكية فعلى السلطة الحالية إذا كانت مستقلة محاكمة كل من تعاقب على الحكم بعد اتفاق الطائف بتهمة العمالة السورية والعمالة الإيرانية بدءً من الرؤساء الى الوزراء والنواب الذين امتثلوا الى سلطة الاحتلال مروراُ بأحزاب مثل حزب الله وحزب البعث السوري ومن لف لفيفهما. أنهي هذا الكلام قائلاً: الإعدام ليس الهدف، بل العدالة التي تحفظ الحياة هي الغاية وحين يعود القانون إلى الفعل لا إلى الورق، يعود لبنان إلى كونه دولة. ولن يعود لبنان الذي نحلم به، الوطن الجامع، السيد، الحر والمستقيل الا بعودة جميع أبنائه وإلا بناء الدولة سيكون منقوصاً بل مبتوراً.
جوزاف س. أمين I أخبار البلد