
لك منا دهرا وعصرا ولك منا الزمن،
بالإذن من كل النساء، أقولها لا رفضًا لهن بل دفاعًا عن عظمتهن أنا من الرافضين ليومٍ يسمّى عيد المرأة العالمي فأي عيد يمكن أن يُضاف إلى الكينونة الأولى، إلى المبدأ الذي منه خرج الوجود؟ إن تخصيص يوم للمرأة لا يكرمها، بل يحدّها، يقزّم أبدية حضورها في زمنٍ مؤقت، وكأنها في حاجة إلى اعتراف من بشرٍ لم يدركوا بعد أن كل لحظة من حياتهم هي عيدٌ لها، لأنهم خرجوا من رحمها، من جوهرها، من حبّها الذي هو مادة الخلق الأولى. منذ أكثر من ألفي عام، حين حملت مريم بالنور في جسدها، لم تعد المرأة في حاجة إلى عيد، لأنها صارت هي الهيكل والسرّ والسماء المفتوحة. عندها تحقّق في الكون انعطاف روحي عظيم أن الألوهة قبلت أن تمرّ عبر الجسد الأنثوي لتتجسد في الإنسان. ومنذ تلك اللحظة، صار للأنوثة معنى كوني يتجاوز الفصول والأعياد والطقوس، وصار الوجود نفسه مرآة لأنوثة الله الخفية. أيتها المرأة، لستِ نصفًا ولا تابعًا، بل كمال الدائرة، أنتِ التي بها يتجلّى الوجود في صورة، والتي بها يتنفس الله عبر الخليقة، أنتِ الفكرة قبل أن تصير جسدًا، والحنان قبل أن يُنطق، والرحمة التي تسبق الوعي. أنتِ الأم والأخت والابنة والزوجة، لكنك أيضًا الأرض التي منها نبتنا، والماء الذي به نحيا، والسماء التي نرفع إليها صلواتنا دون أن ندري أننا نصلّي إليك إلى المبدأ الأنثوي الكامن فينا جميعًا. اعذرينا، أيتها الأنثى الكونية، لأننا جعلنا لكِ يومًا واحدًا، بينما كلّ زمان هو زمنك، وكلّ عصر هو ظلك الممتد في التاريخ
أنتِ لست مكرَّمة بيومٍ بل بالأبد، لأن وجودك هو الإيقاع الذي عليه تنبض الخليقة، والسرّ الذي من خلاله يتوازن الذكر والأنثى، الروح والمادة، الفكر والعاطفة، النور والظلال. حتى الله، حين أراد أن يتجلى في إنسانيته، لم يجد بابًا أقدس من المرأة، فنزل من رحمها وقال: أمي. تلك الكلمة وحدها كانت إعلانًا سماويًا عن قداسة الأنوثة، عن سرّها في الخلق، عن كونها المرآة التي من خلالها يتعرف الوجود على نفسه، لذلك أقول: ليس للمرأة عيد، بل هي العيد، ليست جزءًا من الإنسانية، بل هي مبدؤها، إنها الرحم الأول للوعي، والسماء الداخلية التي منها يشرق الله فينا جميعًا.