
كلّ ميلاد هو عبور من ظلمة إلى ظلّ أخفّ
لقد أُطلِق سراحي من السجن الذي نسجه النور حول نفسه، سجن الجسد الكثيف الذي ظنّ أنّه أنا، كان الحكم مؤبّدًا في الزمان، غير أنّ القاضي لم يكن من أهل الأرض كان من أولئك الذين يقيمون في جوهر النور، لا يحكمون بموازين القانون، بل بمقاييس الاهتزاز الكوني، هو قاضي المحبة الأزلي، الذي لا يميّز بين الكفر والتكفير، لأنّ كليهما في نظره حركة في دورة الوعي السفلي. حين رفع محامي القلب الناري استئنافه، لم يُقبل، لأنّ القلب لا يُستأنف، بل يُطهّر بالنار لكن في لحظةٍ من لحظات الشروق ساعة التقاء العالمين انعقدت المحكمة العليا للأسرار، ونُطق بالحكم بلسانٍ من نور. باسم الذين أحبوا الكلمة حتى صارت فيهم كينونة، نعلن إطلاق سبيل هذا السجين من قيوده الكثيفة. يُنفّذ حكم الإعدام في جسده، لا لإفنائه، بل لتحرير جوهره. فالروح لا تُعدم، بل تعود إلى مداراتها الأولى كي تواصل ارتقاءها في الموجة الكبرى للوعي وإذ انتهى النطق بالحكم، اقترب منّي ضابط الفكر، كائن لا يُرى بالعين بل يُحَسّ بالسكينة، همس قائلاً: هلمّ، فما زال عليك أن تحضر محاكمات أخرى، فلكلّ مستوى من الوعي محكمة، ولكلّ محكمة شهادة، ولكلّ شهادة ختم من أسرار النور. عندها شعرتُ أن الجسد يتمدّد فيّ كما يتمدّد الظلّ قبل الغروب، وسمعتُ دويًّا خفيفًا، كأنه انفجار في أعماق الصمت ثم رأيت الكتلة التي كانت تُدعى أنا، مسجّاة على سريرٍ أزرق، ومن حولها بكاء أهل الأرض، عجبًا، كيف يبكون الطين الذي فرحوا يومًا بانكساره، اقتربت، حاولت أن ألمسهم، أن أقول: أنا هنا، لكنّ الصوت لم يعبر الحجاب بين العالَمين. بقيت ثلاثة أيّام أطوف حول الجسد، وفي كلّ دورةٍ حوله كنت أخلع قشرةً من وهمٍ قديم، رأيتُ كيف ينقلب الصديق تمثالًا، وكيف يصير العدوّ مرشدًا في الخفاء، رأيت اليد التي رفعتني كي تتركني أسقط لأتعلّم الطيران، والعين التي أغمضتها كي أرى بعينٍ أخرى. وفي اليوم الرابع، ناداني ضابط الفكر ثانية تعالَ إلى البعد الثاني، عالم العواطف الصافية، هنا تُعرّض روحك لمرآة المشاعر كي ترى ضعفها في وهج قوتها. دخلت عالماً بلا أرض، مؤلفًا من ذبذبات شفافة، هناك انكشفت حقائق الحبّ أمامي، أنّي لم أحبّ كما ظننت، بل كنت أتعامل مع أشباح الحبّ كنتُ أطلب الحماية من الأب لا حضوره، والاكتمال من الأم لا حنانها، والطمأنينة من الزوج لا جوهرها، أحببتُ لأمتلك، لا لأفيض فالحبّ الذي يُطلَب يذبل، أما الذي يُمنح فينمو إلى الأبد أدركتُ عندها أن الحبّ الإنساني ظلٌّ للحبّ الإلهي، وأنّ النقص فيه هو الباب الذي يعبر منه الاكتمال نحو الكمال. عاد إليّ ضابط الفكر وقال: هل فهمت الرسالة؟ قلت: كأنّي ألمسها من بعيد، قال: إذن، استعدّ للبُعد الثالث عالم الفك، حيث تُعرض أفكارك كما تُعرض الصور على مرآة النار، ظننتُ أنّي سأشهد إبداعي، فإذا بي أرى عيوبي وقد تحوّلت إلى أشكالٍ نارية. رأيت شكوكي تتجسّد كظلالٍ خانقة، وشكّي بالله كجدارٍ يفصلني عن نفسي. كم مرة دعوتُه ظالمًا لأنّ حكمته فاقت فهمي، وكم مرة لعنّت الطريق لأنّه لم يقدني حيث أراد جهلي، كلّ ما حسبته عثرة كان حماية، وكلّ ما رأيته ظلمًا كان تصحيحًا لمسار الوعي فيّ وكم كنتُ أعمى وأنا أرى!! عندها سألني ضابط الفكر، ما هي أمنيتك الأخيرة، أيّها السائر بين العوالم؟ قلت: أن أعود إلى سجن الجسد لأكفّر عن غفلتي، لأُصحّح ما أفسدتُه حين لم أكن أعرف، لا لأعيش، بل لأُصلح، لأعيد كتابة ما كتبه الجهل باسمي. قال: لن يُعيدك أحد، أنت من يعود حين تلتقي بحقيقتك الأصلية، لكن قبل ذلك، عليك أن تقف أمام وجهك الأول. وفي تلك اللحظة، تبدّل كلّ شيء، انشقّ الصمت عن نورٍ لا يُحتمل، ورأيت ذاتي كما رآها النور حين خلقها. عندها سقط عني كلّ ما ليس أنا، وما بقي هو الحنين إلى النور، ثمّ صحوت كانت الشمس تشرق في الثامن والعشرين من نيسان سنة 1970
كنتُ مولودًا من جديد، أحمل في داخلي ذاكرة الأكوان، لكنّي ما زلتُ، إلى اليوم، أشعر أن حبي لأبي وأمي وأولادي ما زال ناقصًا، كأنّ في داخلي عطشًا أبديًّا لا يُروى إلا من الينبوع الأول، ذلك الذي منه خرج كلّ حب، وإليه تعود كلّ الأرواح.
الهواء يحمل رائحة ولادةٍ جديدة لم أعد كما كنت، لكنّني ما زلت أتعلّم أن أحبّ فحتى بعد العودة، ما زال فيّ ذلك العطش القديم، العطش إلى الينبوع الذي منه خُلقت الأرواح. منذ ذلك الحين عرفت أن الموت ليس انقطاعًا، بل تذكّرًا، وأن كلّ ميلاد هو عبور من ظلمة إلى ظلّ أخفّ، وأن كلّ روحٍ تُعدم في جسدٍ لتُبعث في وعيٍ أصفى فما بين الانفجار الأول والانبعاث الأخير، نحن جميعًا شهودًا على المحاكمة الكبرى التي تجري في صمت الله ومن ينجح في المحاكمة أمام المرآة، يُعتَق من الزمان، ويعود إلى موطنه الأول إلى النور الذي أحبّ نفسه فخلقنا.