
لا تكونوا أبواقاً فارغة تردد كلمة الزعيم الجوفاء، بل كونوا آداة تعمل داخل أحزابكم لنشر التطور نحو الأفضل، لتكونوا مثالاً أخلاقياً يحتذى به.
قبل تبلور فكرة الوطن والوطنية في وعي جميع مكونات مجتمعنا اللبناني، سيبقى أي تقدم سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي حلماً بعيد المنال. فالوطن ليس مجرد جغرافيا أو حدود، بل هو تصور مشترك، وعقد معنوي يربط الفرد بالمجتمع، ويحدد ولاءه الحقيقي. وحين نرى حزبًا يُعلّق ولاءه على كيان خارجي، ويحصد أصواتًا انتخابية معتبرة، ندرك أن رؤيته للوطن تختلف جوهريًا عن الفهم المشترك لبقية القوى السياسية. السياسة، في جوهرها، ليست مجرد صراعات استراتيجية، بل اختبار لوعي الأطراف وقدرتهم على الموازنة بين المصلحة الوطنية والمكاسب اللحظية. كثيرون ينظرون إلى منافسهم على أنه خصم استراتيجي، لكن حين يتعلق الأمر بالمواطن واحتياجاته اليومية، يُفتح باب التحالف الانتخابي. وهنا يكمن الخطر، أن تحالف اللحظة يكشف عن فوارق القوى الاستراتيجية ويتركنا عرضة لتقاسم الأدوار والأجندات وفق منطق حصص الأجبان. وطننا يرزح تحت أعباء مالية هائلة، ديون لا تُحصى، ومع ذلك نرى بعض الشباب القصيري النظر يتباهون بفوز انتخابي هنا أو هناك. الاحتفال ليس مرفوضًا، لكنه ينبغي أن يكون مرتبطًا بالواجب الأخلاقي والوعي الوطني، لا بالتفاخر أو المظاهر العابرة. الخطاب هنا موجّه إلى الجميع لا يُحتمل الفعل السياسي المبتذل، ولا الردود التي تشوبها انحرافات أخلاقية
أما الأشد خطورة، فهو تداخل الجهل بالسياسة مع التظاهر بالمعرفة. من يعمل في وظيفة روتينية محدودة، ثم يتصور نفسه محللاً في الجيوسياسية، ولا يعرف الفرق بين الديمقراطية والديكتاتورية أو بين المكيافيلية والوعي الاستراتيجي، يخلط بين
الهامش والجوهر. لذلك، نصيحتي لهؤلاء، ركزوا على أعمالكم، واتركوا السياسة لأهلها. الحكم على أحداث سياسية دون مقومات معرفية متكاملة ليس مجرد خطأ، بل تهديد للمصلحة العامة الانتماء السياسي لا يعني التكرار الأعمى لكلمات الزعيم، لا تكونوا ابواقاً فارغة تردد كلمة الزعيم الجوفاء بل كونوا آداة تعمل داخل أحزابكم لنشر التطور نحو الأفضل ولتكونوا مثالاً أخلاقياً يحتذى به.
عليكم يقع العمل الأخلاقي والفعّال داخل الحقل السياسي لنشر التغيير الإيجابي. لا يمكن لأي استراتيجية أو هدف سياسي أن يثمر إذا كان من يطبقها يفتقر للأخلاق. الأخلاق ليست رفاهية، بل هي الشرط الأساسي لبناء وطن متماسك قادر على مواجهة تحدياته. الفلسفة السياسية تعلمنا أن المواطنة الحقيقية تبدأ من وعي الفرد بمسؤوليته، وتترسخ حين تتحد المبادئ مع العمل. ومن هنا، لا يكفي التفكير في المكاسب القصيرة، بل يجب السعي لتأسيس فهم عميق، يجعل الوطن هدفًا جامعًا، لا أداة صراع. من له أذنان صاغيتان للسمع، فليسمع، ليس ككلمات عابرة، بل كدعوة للتفكير الأخلاقي العميق، للتخطيط الواعي، وللسعي نحو وطن يُحتضن فيه الجميع، وطن تُقدّر فيه المسؤولية، وتُزرع فيه المواطنة في كل فعل، وكل قرار، وكل رأي