
منعطف إقليمي قد يُعيد فتح الجرح اللبناني
في مشهد غير مسبوق في تاريخ سوريا الحديث، يقف الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع على عتبة البيت الأبيض، كأول رئيس سوري يُستقبل رسمياً منذ الاستقلال. الحدث لا يُقرأ كبروتوكول عابر، بل كبداية لمرحلة تُطوى فيها حقبة الأسد لمصلحة سوريا جديدة تُعاد صياغتها وفق مقاربة دولية إقليمية مشتركة. فالزيارة، كما جاء في بيان المبعوث الأمريكي توم برّاك في الثالث عشر من نوفمبر 2025، تعكس مشروعاً متكاملاً لإعادة بناء الدولة السورية بوصفها شريكاً موثوقاً في أمن الشرق الأوسط، لا مجرد ساحة نفوذ أو نقطة خلل مزمنة. التفاهم الأميركي التركي، والدعم العربي الواضح من قطر والسعودية، يشكلان إطاراً إقليمياً جديداً يقود عملية إعادة هيكلة الدولة السورية، سياسياً وعسكرياً وأمنياً. وبحسب النص، التزمت دمشق بالانخراط الكامل في تحالف مكافحة الإرهاب، ومواجهة داعش وفلول الحرس الثوري الإيراني وحزب الله وحماس، وهو تحول كان مستحيلاً في عهد الأسد، ويعني عملياً تفكيك البنية التي ربطت دمشق بطهران لأربعة عقود. إنه إعلان عن نهاية مرحلة وولادة دولة تتجه إلى العمق العربي مجدداً، وتتموضع ضمن محور إقليمي ودولي يضع الحد من النفوذ الإيراني في قلب أولوياته. أما خريطة الطريق التي رسمها برّاك فتشير إلى أربع ركائز تعيد تعريف موقع سوريا في المنطقة:
1- إعادة صياغة العلاقات السورية–التركية بما يتجاوز عقداً من النزاع.
2- دمج قوات سوريا الديمقراطية في مؤسسات الدولة الجديدة.
3- تفاهمات أمنية تشمل الحدود مع إسرائيل ولبنان.
4- دور عربي مباشر في دعم البنية السياسية والاقتصادية والأمنية السورية.
هذه ليست مجرد عناوين، بل مؤشرات عملية إلى شرق أوسط يُعاد بناؤه بعمق، على أسس جديدة تُطيح بالمحاور القديمة وبالفراغات السياسية التي غذّت حروب العقود الماضية.
في خضم هذه التبدلات، يظهر لبنان بوصفه الحلقة الأكثر ضعفاً في لحظة إعادة الاصطفاف. فبينما تسير سوريا الجديدة بخطوات متسارعة نحو محور يواجه النفوذ الإيراني، يبقى لبنان الرسمي أسير توازنات داخلية مستهلكة، وعاجزاً عن صياغة موقف موحّد. إن أي تبدّل في عقيدة دمشق الجديدة سينعكس مباشرة على الحدود اللبنانية السورية وعلى مستقبل حزب الله، بجناحه العسكري وربما السياسي أيضاً، ما قد يعيد خلط التوازنات الطائفية والسياسية ويفتح الباب أمام استعادة خطاب الثلاثية الطائفية للحكم في لبنان، حيث سيُنظر إلى الطائفة السنية كطرف رابح موضوعياً من التغيير في دمشق. لبنان أمام مفترق طرق خطير، إما الالتحاق بالمناخ الإقليمي الجديد، أو البقاء مشدوداً إلى سلاح ميليشيا مرتبطة بطهران. البقاء في المنطقة الرمادية لن يكون خياراً آمناً، لأن الفجوة بين سوريا الجديدة ولبنان القديم ستتسع بسرعة، وقد يدفع الخارج نحو التعامل مع لبنان كاستثناء معطوب في شرق أوسط يتغير جذرياً.
مخاطر التدخل السوري المحتمل في لبنان
في حال دخلت سوريا الجديدة إلى الساحة اللبنانية سياسياً، أمنياً، أو حتى عسكرياً قد نكون أمام عودة انعكاسية ليمين لبناني يستعيد عداءه التاريخي لدمشق، بما فيه خطاب المقاومة اللبنانية ضد سوريا كما قبل الطائف. هذا السيناريو، رغم قابليته للحدوث، يحمل مخاطر واسعة، خصوصاً إذا استمر لبنان الرسمي في تجاهل ملف السلاح غير الشرعي. فالتدخل السوري، إذا حصل، قد يدفع حزب الله إلى توسيع عملياته داخل لبنان بذريعة مواجهة احتلال سني، في محاولة لإعادة إنتاج شرعية سلاحه عبر صدام مباشر مع دمشق. هذا المسار قد يفتح الباب أمام حرب طائفية جديدة، ويفتح الجرح اللبناني القديم مع سوريا، ويعيد القلق الوجودي للطوائف المسيحية، ويزيد مخاوف السنة من الهيمنة الشيعية، ويضع الشيعة أنفسهم أمام خطر مواجهة غير قابلة للضبط. والسؤال الأخطر، كيف سيتصرّف اليمين اللبناني؟ هل سيواجه حزب الله؟ أم سيقف ضده وضد سوريا معاً؟ أم سينسحب إلى حياد مكلف؟ في كل الأحوال، أفضل الخيارات يبدو شديد السوء.
ويزيد القلق اللبناني عبارة واضحة وردت في تغريدة برّاك ” سوريا الجديدة ستشارك بنشاط في مواجهة فلول داعش والحرس الثوري الإيراني وحماس وحزب الله والشبكات الإرهابية الأخرى” هذه العبارة وحدها كفيلة بإثارة ذعر طبقة سياسية لبنانية عاشت أربعة عقود في ظل علاقة أمنية سورية خارجة عن كل الأطر المعترف بها. لفهم حجم المخاوف، لا بد من العودة إلى الوقائع،
بعد حرب الخليج، سلّمت واشنطن لبنان لدمشق الأسد كجائزة ترضية، وسلّمته دمشق بدورها لإيران تدريجياً عبر تمكين حزب الله أمنياً وعسكرياً وسياسياً. سوريا الأسد هي من شرّعت خطوط السلاح والتهريب، وأمنت لإيران قاعدة نفوذ ثابتة في الدولة والمجتمع، ما حوّل لبنان إلى ساحة نفوذ إيراني مباشر، فكيف سيقرأ لبنان اليوم انقلاب موازين القوة في دمشق؟ وكيف سيحمي نفسه من تداعيات ذلك؟
في ظل التحول العميق الذي تشهده سوريا، ومع انكماش نفوذ إيران، يقف لبنان أمام لحظة مفصلية تشبه بل تتجاوز عام 1989. فإمّا أن يلتحق بالمرحلة الجديدة التي تعيد الاعتبار للدولة كمرجع وحيد للشرعية والسلطة، منفتحة على العالم الحر ودول الاعتدال، وإمّا أن يبقى لبنان أسير سلاح غير شرعي خارج الدولة، وبُنى طائفية تُدار من خلف الحدود، وحروب تُستدرج من الخارج لتبديل هوية النظام، ولربما حربا على حزب الله من الجنوب والشمال والبقاع.
سوريا الجديدة قد تكون فرصة ذهبية للبنان إذا امتلك القرار، أو زلزالاً وجودياً إذا بقي بلا خيار.