التجارب السابقة

whatsapp image 2025 11 06 at 15.22.09

إذا لم تتحوّل تجاربك السابقة إلى دروسٍ واعية، فسوف تمضي ما تبقّى من عمرك عالقًا بين كلمتين، يا وليت، ومهما كانت تجارب الإنسان قاسية، ومهما تخيّل أنّ الظلم الذي واجهه أثقل من أن يُحتمل، يبقى ضرورياً أن يرفع قلبه إلى العلوّ ويقول: يا رب. لكن، كيف يمكن لنا أن نفهم الظلم في الحياة ونتخطّاه؟ هذا سؤال واحد من أسئلة كثيرة نحملها في داخلنا، وأحيانًا نطرحها على أشخاص نثق بهم، علّنا نجد معهم طريقًا يجنبنا الخسارة ويمنحنا القدرة على العبور. إنّ الظلم، بشكل مباشر أو غير مباشر، ليس حدثًا خارجيًا فحسب، بل حالةٌ نفسية وروحية تنشأ حين يشعر الإنسان أنه في موضع لا يليق بحقيقته. وهنا يبرز السؤال، كيف أعرف أن مكاني هو مكاني حقًا؟ وكيف أميّز إن كنت أستحق ما أنا فيه أم أني في موضع لا ينتمي إليّ؟ هذه الحالة، في جوهرها، مرتبطة بمستوى الوعي فما دامت النفس غافلة عن أسباب وجودها في هذا الموضع، سوف تفسّر كل ألم على أنه ظلم، وغالبًا ما نسمع من يقول: الحياة ظلمتني. لكن الحقيقة وبكل صراحة أن هذا هروب من المسؤولية إنّ مستوى وعيك هو الذي يحدّد شعورك، والشعور بالظلم ليس ظلمًا بحدّ ذاته، بل إلقاء العبء على الآخر وتخلٍّ عن القوة الداخلية. وقد يسأل البعض، وماذا عن طفلٍ قُمعت براءته منذ البداية؛ تخلّى عنه أهله، أو مات والداه في حادث أو حرب؟ كيف يكون مسؤولًا عن ظروف لم يصنعها؟ هنا، ينبغي أن نوسّع نظرتنا أبعد من حدود العمر القصير الذي نحياه على الأرض. فنحن، للأسف نعتقد أن الحياة هي هذه السنوات القليلة الممتدّة بين بكاء طفل وضحكة أهل، ثم تنتهي بضحكة الطفل نفسه وبكاء الأهل. وكأنّ عمر الإنسان لا يتجاوز هذا الامتداد الضيق. يا أحبّائي، إنّ مفهوم “هنا” و”هناك” أبعد بكثير من جغرافيا الجسد، تماماً كما أنّ مفهوم الزمن ليس ما نظنه، فبعض الناس حين يقول “هنا” يقصد الكرسي الذي يجلس عليه، وآخر حين يقول “هنا” يقصد الأرض كلّها أو حتى الكون فالوعي يحدّد الأبعاد، لا المسافة. كذلك الزمن، من يراه ماضياً ومستقبلاً قد يكون محقًا جزئيًا، ومن يراه لحظة واحدة ثابتة قد يكون أقرب إلى جوهره، فالزمن كله قد لا يكون إلا نقطة؛ وكل شيء بدأ من نقطة، وكل شيء يعود إليها. ضمن هذه الرؤية، ما كنتُ أسميه “ظلمًا” لم يعد ظلمًا، بل صار ردّة فعل غير مفهومة تحتاج إلى فهم، ولن أفهمها إلا إذا قبلتُها، ولن أقبلها إلا إذا أحببتُها، فلا شيء يُفهم خارج إطار المحبّة. وما هي المحبة؟ في جوهرها وعي ولأنّ الوعي متفاوت بين البشر، ترى البعض يوهم الآخر بأنه يحبّه، وبذلك تُزرع أول بذرة في بستان الظلم، فالظالم والمظلوم ليسا سوى وجهين لعملة واحدة اسمها ” الأنا”. أنا، حين أنكر مسؤوليتي، أصنع الظالم، وأنا، حين أرفض أن أفهم تجربتي، أصنع المظلوم، وفي اللحظة التي أرتقي فيها بوعيي، يذوب الوجهان، وتبقى الحقيقة، أنّ كل حدث، مهما بدا قاسيًا، ما هو إلا خطوة في مسار النفس نحو نورها الأصلي.