ماذا سيكتب التاريخ؟

whatsapp image 2025 11 06 at 15.22.09

ماذا سيكتب التاريخ؟

أيسجّل التاريخ أنّ فلاناً صارع الآخرين في معارك انتخابيّة، فحاز كتلة نيابيّة يُعتدّ بها؟ أم يدوّن ولادة عروش جديدة وانهيار أخرى عتيقة؟ أيقول إنّ فلانًا أصاب والآخر أخطأ؟ أيحفظ أنّ وزيرًا حافظ على منصبه أو فرّط به؟ أيدوّن التاريخ انتصار طائفة وانكسار أخرى؟

ما الذي سيبقى من هذا كلّه في ميزان الحقيقة؟

لو كان للتاريخ كتّاب متحرّرون من الأهواء، متبرّئون من الولاءات، لا يسعون إلّا للحقيقة بصفتها غاية بحدّ ذاتها كما أرادها أرسطو بحثًا عن “العِلّة الأولى” للأشياء لكتبوا ما يلي:

سيسجّل التاريخ أنّ وطنًا صغيرًا في المساحة، كبيرًا في الإرث، قد ابتُلي بحكّام تنازعوا الفتات كما تتنازع الطيور ما تبقّى من وليمة. وأنّ “حفنة من الساسة” اقتسموا مقدّراته كما تُقتسم الأجبان من أدناها إلى أرقاها، على كؤوس نبيذ لا ترمز لفرح بل لدماء الشهداء والفقراء والمهمّشين. كلّ واحد منهم ربح معركة، رئاسة، وزارة، نيابة، توظيفًا، لكنّهم جميعًا خسروا الغايةفمن أصاب الوسيلة وأهمل الغاية، ضلّ الطريق. وهؤلاء قد خسروا المستقبل، مستقبل أبنائنا، طبيعة الوطن، موارده، سلامه، ومفهوم المواطنة نفسه. خسروا الداخل سعيًا وراء مكاسب في الخارج، وكأنّهم يبيعون جوهر الوطن ليشتروا ظلالًا زائلة في دول لا ترى فينا إلا مصالحها. أيُعقَل أن يتقاتل أبناء الوطن الواحد بالدم حين تتعارض مصالحهم، ثم يتصالحون حين تتقاطع، وكأنّ الحقيقة مجرّد اتّفاق ظرفي؟ وأن تُستبدَل متاريس الحرب بمتاريس افتراضيّة على الشاشات، لكنّ أثرها على النفوس والجماعات لا يقلّ فتكًا؟ بلد يتّهم كلٌّ فيه الآخر بالفساد منذ عقود، لكنّ أحدًا لا يسمّي الفاسد باسمه… لأنّ الجميع أسرى “حصّتهم” في شحنة الجبن القادمة

ماذا سيكتب التاريخ؟

لو كنت كاتبًا للتاريخ، لقلت:

سيُكتب أنّ وطن الأرز أصبح بلا حُرّاس، وأنّ وطن الرسالة قُسّم إرثه قبل أن تُرفع صلاته الأخيرة. وأنّ أبناءه وقفوا يراقبون أنفاسه تختنق، ولم يجرؤ أحد منهم على وضعه فوق سرير العناية الفائقة.  سيُكتب أنهم لم يتّعظوا من دروس الماضي، وأنّهم جهلوا أنّ لبنان، كطائر الفينيق، لا ينهض بثلاثة أجنحة، بل بجناحين متكاملين: دولة عادلة وشعب واعٍ. وسيقال إنّ جيش الجياع كان يطرق أبوابهم، وأبوابهم لم تكن موصدة بل أقفالها متآكلة صدأً، وسيُكتب أنهم ربحوا جولة… جولة أكلِ الجبن. لكنّهم خسروا الوطن

وأنا هنا…

أنا صوت المواطن الذي جاع ومرض وعُطّل عن العمل.
أنا الذي يشتهي لقمة الخبز لأطفاله المشردين، وتعليمًا وطبابةً لأولاده المنسيّين.
أنا الذي يرى أبناء السلطة وأزلامها يتباهون على المنصّات بأنّهم “شهداء التاريخ”، فيما الشعب الحيّ هو وحده الذي يدفع ثمن كلّ هذا العبث.