
إنّ أصل الإلحاد، في جوهره اللغوي والوجودي، هو الميلُ والعدولُ عن الشيء، أي الانصراف عن المسلّمات السائدة نحو أفقٍ آخر للبحث والتساؤل. وعلى صفحات العالم الرقمي تتكاثر الأصوات، مُعجَبةً أو ناقمة، تُشهِر أحكامها على الإيمان واللاإيمان بلا رويّة. أمّا أنا، المؤمن، فأميل إلى سؤالٍ أبسط وأعمق: ما شأنكم بهم؟ وكيف يتأتّى لكم التهجّم باسم دينٍ يجعل الحرية ركناً أصيلاً من كينونته، ويترك للإنسان حقّ الخيار ومسؤولية الاختيار؟ إنّ السؤال عن وجود الإله أو عدمه ليس جدلاً خارجيّاً بقدر ما هو قلقٌ داخليّ يضرب في أعماق الروح. ما مغزى أن يكون ثَمّ إله؟ وما مغزى أن يُقبَل أو يُرفَض وجوده؟ هذه أسئلة لا يَسَعُ أحداً أن يحملها عن غيره. إنّها شأنٌ شخصيّ محض، قد يطمئنّ به الإنسان أو يضطرب، لكنه يظلّ ملكاً لضميره وحده. ولستُ أرى بأساً في ملحدٍ كريم السيرة، ولا أجد راحةً في مؤمنٍ خواء الأخلاق، فالقيمة الحقيقية للإنسان إنما تتجلى في فعله لا في شعاره، وفي أثره لا في هويته العقائدية. إنّ الفلسفة الوجودية، حين تبلغ أُفقها الأصفى، تحتمل جميع الأفكار، وتستمع إلى كلّ الأصوات، لأنها تبحث عن الحقيقة في تنوّع التجارب لا في وحدانية الرأي.
فإذا كنتَ تؤمن بإلهٍ مخلّص، مكتمل العدل والرحمة، فكيف يَسَعُك أن ترفض من لا يعتقد به؟ أليس القبول بالآخر فرعاً من الإيمان بالمُطلَق؟ وإذا كان الملحد قد رفض وجود الإله، فهو بذلك يرفض ضمناً وجود الإله الشرير أيضاً، ذاك الذي يُرمَز إليه على نحوٍ ميتافيزيقي بالشياطين أو القوى الهادمة. وإن كان لا يُطبّق في حياته أحكاماً نعدّها إلهية، فهو كذلك لا يُفعِّل الشرّ الذي يُنسب في الخيال الديني لتلك القوى الهاوية. إنّ معيار الحكم، إذن، يبقى دائماً الفعل الأخلاقي، لا العقيدة المجرّدة
دعوا كلَّ امرئٍ وشأنه، فلو كانوا على خطأ فليس أنتم مَن يُحاسِب، إذ لا أحد مُفوَّض بإدانة غيره. لقد قيل: لا تدينوا كي لا تُدانوا. وإن كانوا على صواب، فلن يُنقِص ذلك شيئاً من إيمانكم، ولن تُحمَّلوا وزر أعمالهم، إذ لا وجود لربٍّ يُحاسبكم على خطايا لم ترتكبونها. المهمّ أن يبقى الإنسان، مؤمناً أو جاحداً، باذلاً في حياته خيراً يرقّي المجتمع ويهذّب النفس، لأن البناء والإصلاح هما العلَمان الوحيدان اللذان يشهدان لصاحبِهما. وهكذا، يظلّ جوهر القضية، الإنسان أولاً، وأفعاله هي البرهان الأخير على صدقه أو زيفه، لا معتقده ولا انتماؤه.