
أؤمن بإلهٍ مجنون، مجنونٍ من مجنون، محبٍّ من محبّ
كثيرون يعدّون الجنون مدعاة للفخر، وأنا أحدهم. ولكن، هل الجنون آفة أو عيب أو مرض كما يروّج أصحاب الأحكام السريعة؟ إنّي أخالف هؤلاء جملةً وتفصيلاً. فما يُسمّى جنوناً ليس دائماً انكساراً في العقل، بل قد يكون فائضاً في الوعي، واتساعاً في التجربة، وتجاوزاً لحدود الإدراك العادي. وحين يُقال: فلان مجنون، فقد يكون المقصود أنّه بلغ ذروة العشق، واشتعل فيه لهيب الوله حتى غاب عن العالم، كما حدث مع مجنون ليلى وغيره من عشّاق الروح والجسد في التاريخ.
ولعلّ جذور كلمة مجنون، إذا ما أغمضنا أعيننا قليلاً لفسحة الاشتقاق الواسع، تشي بما هو أعمق، فالمقاربة السنسكريتية لها في كلمة مَجنو تقود إلى معنى “المتيم بـ”، العاكف على معشوق يبتلعه حضوراً وغياباً. وعليه، فبعض المجانين متيّمون بالنساء، وبعضهم بالفن، وبعضهم بالتأمّل أو بالطبيعة، أو بأي وجه من وجوه الجمال التي تُلغي الحدود الفاصلة بين العاشق والمعشوق.
غير أنّ السؤال الجوهري هو: هل يقود هذا الجنون إلى رقيّ إنساني، أو إلى مستوى ما فوق إنساني؟ هل يكون الجنون سلّماً إلى الأعالي أم مجرد دورة من دورات الانفعال؟ هنا يكمن لُبّ المسألة. فالجنون الأصيل، في المعنى الباطني، ليس انخطافاً عابراً ولا افتتاناً بالمحسوسات، بل هو التوحّد بما هو سامٍ، والاندماج بالروح حتى يصبح المطلقُ هو المحبوب الأوحد. الجنون الأصيل هو أن يصبح الله معشوقَ الإنسان، وأن يغدو الإنسان ساعياً إلى التكامل مع الوجود نفسه، لا مع ظلّ من ظلاله.
نحن، في المقابل، لسنا إلا “صغار المجانين”، أشبه بفرخ أول لذلك الجنون الأعلى، نلتقط إشاراته ولا نمتلك كماله. ولذا أرجو ألا يُنسب إلينا لقب الجنون على نحوٍ مطلق، كي لا تُصاب نفوسنا بمرض العظمة. فما زلت، وما زال كل ساعٍ إلى طهارة النفس، يعمل على نفسه ليظلّ متواضعاً أمام ذلك الجنون الإلهي الذي لا يُطال. ثمّة سؤال يؤرّقني، أطرحه على نفسي وعلى من أراد أن يُصغي
أليس التجسّد الإلهي نفسه، كما في المسيحية، ضرباً من الجنون؟ أليس نزول اللامتناهي إلى المحدود، وانصباب النور في هيئة إنسان، فعلاً يتجاوز كلّ منطق وكلّ حساب؟ إنّي أرى في يسوع “مجنون الإنسان”، ذلك الذي أحبّ البشرية حتى التناقض، وتماهى مع ضعفها حتى الفناء، فكان جنونه فعلاً من المحبة القصوى. وما دام الأمر كذلك، فأنا أؤمن بإلهٍ مجنون، مجنونٍ من مجنون، محبٍّ من محبّ، متجاوزٍ لكل ما اعتدناه من معايير الرشد والحكمة البشرية، ومن كان له أذنان تصغيان، فليسمع، فبعض الأصوات لا يُدرَك معناها بالعقل وحده، بل بذلك الجنون العلوي الذي يفتح الباب على أسرار الوجود.