
التحول المؤسسي هو معيار الثورة الحقيقية
تعدّ الثورة إحدى أكثر الظواهر التاريخية تعقيداً لأنها تقف على الحدّ الفاصل بين انهيار نظام قديم وتشكّل نظام جديد. وهي ليست مجرّد حدث مفاجئ، بل نتيجة تراكم طويل من التناقضات البنيوية التي تولّد لحظة انفجار يعاد فيها رسم قواعد السلطة، وتُعاد صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع. ورغم كثافة الدراسات في الفكر السياسي، يبقى المدخل الفلسفي ضرورياً لفهم ماهية الثورة الحقيقية وتمييزها عن الاحتجاج أو الفوضى أو الانقلاب. وهذا ما يكتسب أهمية خاصة عند مقاربة الثورة اللبنانية في تشرين الاول 2019، التي شكّلت نموذجاً غنيّاً للتحليل الفلسفي والعملي معاً، ولا سيما لبحث سؤال، أين أخطأت الثورة؟ ولماذا لم تتحوّل إلى مسار تغييري مستدام؟
من منظور السياسية الاكاديمية، تُفهم الثورة باعتبارها تغييراً جذرياً يطال الأسس التي تقوم عليها السلطة. أرسطو رأى أنّ الثورات تنشأ من خلل داخلي في النظام السياسي، ومن تآكل العدالة وتصدّع ميزان القوى بين الطبقات. منهم من اعتبر أنّ الثورة فعل لاستعادة الشرعية عندما تنتهك السلطة الحقوق الطبيعية للشعب. وفي المقابل، قدّمت الفيلسوفة السياسية أرندت رؤية تأسيسية للثورة بوصفها لحظة توليد لفضاء عام جديد، لا مجرد تدمير للنظام القائم. بينما اعتبر الفكر الماركسي الثورة ضرورة تاريخية تنجم عن صراع بنيوي بين القوى الاقتصادية والاجتماعية. ينعكس هذا التنوع النظري في سؤال العنف، حيث يجب التمييز بين القوة بوصفها تعبيراً عن الشرعية الجماعية، والعنف الذي تلجأ إليه السلطات أو الحركات حين تفقد المشروعية. العنف الثوري ضرورة في حالات الاحتلالات. وهذا الجدل حول العنف والشرعية يظل محورياً عند تحليل أي ثورة معاصرة، ومنها ثورة تشرين الأول اللبنانية.
لا تولد الثورات من الفراغ، بل من انهيار الشرعية وتآكل الثقة بين الدولة ومواطنيها. في لبنان، سبق انفجار تشرين الأول مسار طويل من الفساد المنهجي، وتفكك مؤسسات الدولة، وانهيار الخدمات، وتعمّق اللامساواة، وارتفاع البطالة والفقر. هذه العناصر مجتمعة كوّنت ما يشبه الأزمة الوجودية في العلاقة بين الشعب والسلطة، بحيث تحوّلت الدولة من مصدر حماية إلى مصدر استنزاف. من جهة ثانية، تقوم الثورات عادةً على تحالفات اجتماعية متعددة، الطبقات الوسطى المتعلّمة التي تقدّم خطاباً سياسياً، الفئات الفقيرة التي تشكّل قاعدة التعبئة العددية، النخب المنشقة، والشباب الذين يشكّلون طاقة رمزية وميدانية. وقد ظهرت هذه القوى بوضوح في تشرين الأول 2019، لكن غياب إطار تنظيمي موحَّد وافتقار التحالفات إلى ثبات هيكلي أدّيا إلى تفكك سريع بعد تراجع الزخم الأولي. كما لعبت شبكات التواصل دوراً مركزياً في إشعال الشرارة وتوحيد الساحات، لكنها في الوقت نفسه ساهمت لاحقاً في إنتاج سرديات متنافسة، وفجّرت الانقسامات الكامنة بسبب غياب مرجعية تنظيمية تجمع القوى الثورية في خطاب واحد.
يميّز الواقع السياسي الواعي بين الاحتجاج والثورة، وبين الثورة والانقلاب. الاحتجاج ردّ فعل على ظلم محدد، أما الثورة فتقوم على مشروع تغييري بنيوي. وفي لبنان، وقع الحراك بين هاتين المنطقتين، فقد امتلك غضباً جماهيرياً واسعاً، لكنه لم يتحول إلى مشروع بديل مكتمل العناصر، تبدو نقاط الإخفاق الأساسية في ثورة تشرين واضحة عند مقارنتها بشروط الثورة الحقيقية. ما حصل هو غياب المشروع البنيوي الذي لم يتبلور في رؤية مشتركة حول شكل الدولة المنشودة، ولا حول إصلاح النظام الطائفي، ولا حول الاقتصاد السياسي الجديد. فالثورات لا تُعرَّف بقدرتها على إسقاط السلطة فحسب، بل بقدرتها على تأسيس نظام بديل. وفي لبنان غاب مشروع الدستور الجديد أو تصوّر العقد الاجتماعي، فظل النظام يملك قدرة إعادة إنتاج نفسه. أضف الى ذلك عدم توفر إطار قيادي موثوق يمثل الحراك. وهذا جعل القوى الأكثر تنظيماً سواء كانت أحزاباً تقليدية أو جماعات مسلّحة، قادرة على احتواء الحراك أو محاصرته. الثورات الناجحة تاريخياً امتلكت قيادة سياسية قادرة على تحويل الطاقة الشعبية إلى مسار تفاوضي أو تأسيسي. ولا ننسى أن تعدد الساحات والقوى أفقد الحراك وحدة السردية الثورية. لم تنجح الثورة في إنتاج خطاب وطني جامع يتجاوز الطوائف، رغم أنّ لحظاتها الأولى كانت قادرة على ذلك. ومع الوقت، ظهرت سرديات متصارعة سهلت على السلطة استخدامها لتفتيت الحراك. بعد تراجع الحكومة، دخل البلد في فراغ لم يتمكن الثوار من ملئه، بينما كانت القوى التقليدية أكثر قدرة على المناورة. تاريخياً، تُحسم الثورات في لحظة الفراغ، من يمتلك الرؤية والتنظيم يفرض مسار التغيير. وفي لبنان، بقيت القوى التقليدية اللاعب الأكثر نفوذاً.
التحول المؤسسي هو معيار الثورة الحقيقية. الدستور، القضاء المستقل، الاقتصاد العادل، والعدالة الانتقالية هي الأعمدة التي تبنى عليها الشرعية الجديدة. وفي الحالة اللبنانية، افتقرت مرحلة ما بعد تشرين إلى أي إطار مؤسسي قادر على تحويل المطالب إلى إجراءات ملموسة. لم تُقدَّم مسودة دستور جديد أو إصلاح جذري للنظام السياسي كما لم تتشكل لجان للعدالة الانتقالية أو لمحاسبة الفساد ولم يصدر مشروع اقتصادي انتقالـي يعالج الانهيار المالي المتسارع. ناهيك عن عدم توفر أي اتفاق اجتماعي جامع يعيد صياغة دور الدولة. أمام هذا الفراغ، استعاد النظام السياسي زمام المبادرة، وشكّل الثورة المضادة عبر إعادة بناء سردية الخوف الطائفي واستغلال تراجع الاقتصاد لتفكيك الحراك. كل ثورة تولّد ثورة مضادة تعمل على إعادة إنتاج النظام القديم، استغلال الفوضى، شق صف القوى الثورية وخلق سردية مضادة تتّهم الثوار بالعمالة أو الفوضى. وقد نجحت السلطة في لبنان في استخدام هذه الأدوات. كما ساهمت الانقسامات الداخلية بين الثوار في تسهيل اختراق الحراك وبذلك تحقّقت أهم شروط فشل الثورات، ضعف الذات الثورية مقابل قوة الخصم، فهل سقط تشرين في حفرة السلطة المتناحرة؟ يمكن القول إن الثورة تكون حقيقية حين تتوفر عناصر أربعة:
أ- شرعية أخلاقية ناتجة عن ظلم بنيوي طويل.
ب- مشاركة واسعة عابرة للهويات الفرعية.
ج- مشروع بديل واضح قابل للتنفيذ.
ه- بناء مؤسسات جديدة تؤمّن انتقالاً دائماً.
هذه العناصر لم تكتمل في ثورة تشرين رغم قوتها الرمزية، لقد امتلكت الثورة الشرعية الأخلاقية والمشاركة الشعبية، لكنها افتقرت إلى المشروع البنيوي والتنظيم المؤسسي. وهذا يقود إلى خلاصة مهمة، الثورة لا تُقاس بما يحدث في الميادين، بل بما يبقى بعدها في المؤسسات ووعي الناس وشكل الدولة. ما حدث في لبنان كان انفجاراً اجتماعياً وسياسياً مشروعاً وضرورياً، لكنه لم يتحول إلى مسار تأسيسي. غير أنّ قيم تشرين لا تزال حيّة في الوعي السياسي، وقد تشكّل، مستقبلاً، قاعدة لإعادة بناء عقد اجتماعي جديد أكثر عدلاً وإنسانية، إذا نُظر إليها بنظرة بناءة لا بنظرة الغضب فقط. بهذا المعنى، فإن الثورة الحقيقية لم تُنجز في ذلك الوقت، لكنها وضعت الأسئلة المؤسِّسة التي لا يمكن للنظام تجاهلها، وقد تكون الخطوة الأولى لولادة زمن سياسي جديد إذا كانت فكرة ما حصل في 17 تشرين الأول 2019 هو تغيير النظام وليس الحكم. لذلك السؤال هو التالي، أي نظام نريد؟