
لم يكن تصريح سفير إيران مجتبى فردوسي بور، في مصر بشأن لبنان مجرّد خروج غير محسوب عن الأصول الدبلوماسية، بل كان تعبيراً صارخاً عن ذهنية تعتبر أن لبنان ساحة مفتوحة وأن بوسع أي مسؤول إقليمي إعادة تعريف الموقف اللبناني الرسمي بحسب ما يراه مناسباً، لكن ما يجب قوله بوضوح أكبر هو أن هذا النوع من الخطاب لم يكن ليظهر بهذا القدر من الفجاجة لو لم يكن حزب الله نفسه قد مهّد له، سياسياً وواقعياً، عبر ما يمتلكه من نفوذ يتجاوز مؤسسات الدولة ويضعها في موقع العاجز عن فرض خطوطها الحمراء. حين يتجرأ سفير دولة أجنبية على التقليل من موقف وزير خارجية لبنان، فهو يفعل ذلك لأنه يدرك أن جزءاً من القوة الفعلية في البلاد لا يكمن داخل مجلس الوزراء أو القصر الجمهوري، بل في نفوذ حزب مسلح يربط نفسه بمحور إقليمي معلن. من هنا يبدأ السؤال الجوهري، كيف يصل مسؤول غير لبناني إلى حد افتراض أنه أدرى من الحكومة بمواقفها؟ الجواب لا يمكن فصله عن البيئة السياسية التي أنتجها حزب الله، والتي جعلت أي طرف خارجي يشعر بأن التعامل مع الدولة اللبنانية ليس ضرورة، ما دام القرار الفعلي محكوماً بتوازنات خارج مؤسساتها. تبرير السفير لسلوك حزب الله، وكأنه يتحدث عن قوة تتجاوز الدولة، هو نتيجة مباشرة لواقع فرضه الحزب نفسه، واقع يتيح فيه لحلفائه الإقليميين أن يخاطبوا اللبنانيين من موقع أعلى، لا من موقع احترام السيادة. هل كان السفير سيتجرأ على هذا النوع من الخطاب لو كان يعلم أن حزب الله يضع ولاءه الوطني فوق أي ارتباط خارجي؟ أم أن الجرأة في الكلام تعكس قناعة راسخة بأن الأولوية السياسية للحزب، كما يراها خصومه على الأقل، مرتبطة بمحور إقليمي يقدّمه على الاعتبارات السيادية اللبنانية؟ لا يمكن تفسير هذا التجاوز الدبلوماسي إلا من خلال ثنائية الانكشاف السياسي، دولة عاجزة عن فرض احترام مؤسساتها، وحزب يملك من القوة ما يكفي لطمس الحدود بين ما هو قرار لبناني وما هو قرار يتقاطع مع مصالح خارجية، وعندما يلتبس هذا الخط الفاصل، يعتقد الآخرون أن بإمكانهم الحديث باسم لبنان أو فوقه، والأخطر أن هذا التصريح جاء من القاهرة، العاصمة التي تُعرف بدبلوماسية صارمة في احترام سيادة الدول، ما جعل حديث السفير الإيراني يبدو خارجاً على كل قواعد السلوك السياسي، لكن الحدّة في كلامه لم تكن لتتخذ هذا المدى لو لم يكن هناك طرف لبناني يعطي، بفعله أو بصمته، الانطباع بأن التدخل في الشأن الداخلي أمر مقبول أو على الأقل غير مكلف. سفير إيران تجاوز حدود اللياقة الدبلوماسية، لكن المسؤولية الأكبر تقع على حزب الله لأنه سمح، عبر موقعه المتقدّم خارج مؤسسات الدولة، بأن يتصرف بعض ممثلي الدول وكأن لبنان كيان تابع لا سيادة له. وما لم يُحسم سؤال الولاء، ولمن تكون الأولوية فعلاً، ستبقى مثل هذه التصريحات تتكرر، وسيبقى لبنان في موقع من يُملَى عليه لا من يفرض كلمته. والمطلوب رد الاعتبار من الحكومة اللبنانية تجاه تصاريح فظة تأتينا من خارج الحدود ومن خارج اللياقات السياسية والدبلوماسية.