
هل سيُسمح للإيرانيين بأن يحكموا أنفسهم؟
في الأول من شباط عام 1979عاد آية الله الخميني إلى إيران على وقع انتفاضة شعبية أطاحت بالشاه محمد رضا بهلوي، منهيةً حقبة ملكية امتدت لعقود، ومؤسِّسةً لنظام جديد قام على ولاية الفقيه. اليوم، وبعد نحو 47عامًا، تشهد إيران حراكًا احتجاجيًا واسعًا يرقى، في دلالاته، إلى ثورة جديدة ضد النظام نفسه الذي وُلد من رحم تلك الانتفاضة. ومع تصاعد هذا المشهد، يبرز سؤال بات مطروحًا بقوة في الأوساط السياسية والإعلامية هل يعود ابن الشاه، رضا بهلوي، إلى إيران بوصفه مخلّصًا محتملًا؟
هذا السؤال لا يقتصر على الداخل الإيراني فحسب، بل يتردد أيضًا في دول المنطقة، وخصوصًا في لبنان، الذي دفع أثمانًا باهظة نتيجة سياسات النظام الإيراني وتدخّلاته المباشرة وغير المباشرة. من هنا، فإن ما يجري في إيران لا يُقرأ بوصفه حدثًا داخليًا معزولًا، بل تحوّلًا إقليميًا محتمَلًا في لحظة تبدو أقرب إلى الانهيار، ما يستدعي بالضرورة تغييرًا جذريًا في المشهد الإيراني. في هذا السياق، وإذا ما عاد رضا بهلوي إلى إيران في هذه اللحظة المفصلية، فإن مشهد استقباله لن يكون واحدًا، ولا يمكن اختزاله بصورة موحّدة أو موقف جامع. فإيران، بتاريخها وتركيبتها الاجتماعية، ليست كتلة خرساء، بل موزاييك معقّد من الذاكرة والجرح والأمل والخوف. الاستقبال، إن حصل، سيكون منقسمًا بوضوح. فثمة من لا يزال يحمل حنينًا إلى الحقبة السابقة، ويرى في العودة استعادةً لرمزية دولة كانت حاضرة على الساحة الدولية، ولو من باب المقارنة مع واقع مأزوم. في المقابل، ستقف فئات أخرى، ما زالت تؤيد النظام القائم أو تخشى عودة الماضي. الانقسام هنا لن يكون سياسيًا فحسب، بل نفسيًا أيضًا، يعكس عمق الانهاك الذي أصاب المجتمع الإيراني ففي المدن الكبرى كطهران، أصفهان او مشهد، شرائح من الطبقة الوسطى والفقيرة، إضافة إلى فئات من الشتات الإيراني الذي هُجّر قسرًا، قد يُستقبل رضا بهلوي بوصفه رمزًا لإيران مختلفة، لا حبًا بالضرورة بشخصه، بل تعبيرًا عن رفض جذري للنظام الحالي. في المقابل، تقف فئة واسعة، مرهقة وصامتة، لا يعنيها الاسم بقدر ما يعنيها السؤال الجوهري: هل يستطيع هذا الرجل تغيير الواقع؟ هل يمكنه تحسين حياتهم ورسم أفق جديد لمستقبلهم؟
مع ذلك، تبدو عودة ملكية كلاسيكية إلى إيران أمرًا بالغ الصعوبة. فالسياق التاريخي، والوعي السياسي المتراكم، وتجربة الثورة، تجعل من استعادة نموذج الحكم السابق مسارًا شبه مستحيل. الأرجح، في هذه المرحلة الحرجة، أن يقتصر دور رضا بهلوي على إطار رمزي أو انتقالي، لا سلطوي، في مرحلة ضامنة تقود إلى نظام جمهوري جديد. نجاحه، إن تحقق، سيكون مرهونًا بقدرته على إطلاق تغيير فعلي على المستويين السياسي والاجتماعي، وعلى لعب دور جامع في بلد مهدد بتفكك مذهبي عميق، تمهيدًا لتثبيت شرعية جديدة بعد المرحلة الانتقالية.
في حال تسلّمه السلطة، لن تكون إيران لا إيران الشاه ولا إيران الولي الفقيه، بل دولة تبحث عن ذاتها بين أنقاض مشروعين متناقضين، مشروع التحديث والانفتاح على العالم، والمشروع الديني الذي أوصل البلاد إلى أزمتها الراهنة. التحدي الحقيقي، في هذا السياق، لا يكمن في الاسم، بل في النظام المرتقب هل ستُبنى دولة قانون حديثة؟ هل سيُفصل الدين عن السلطة فصلاً نهائياً؟ وهل سيُسمح لإيران بأن تكون دولة طبيعية، لا إمبراطورية توسعية ولا ثكنة عقائدية؟ إن عودة ولي العهد من دون مشروع ديمقراطي واضح، ومن دون قطيعة صريحة مع إرث الماضي، لن تكون أكثر من فاصل قصير في تاريخ طويل من إعادة إنتاج السلطة بأشكال مختلفة. في المحصلة، إن استقبال الإيرانيين لابن الشاه، إن حدث، سيكون مرآة لوجعهم أكثر مما هو تعبير عن قناعة مطلقة. ويبقى السؤال الجوهري من يحكم إيران؟ هل سيُسمح للإيرانيين بأن يحكموا أنفسهم؟