14 شباط

الحب الحقيقي ليس انفعالاً مؤقتاً، بل فعل إرادة، التزام

whatsapp image 2025 11 06 at 15.22.09

14 شباط

تتزاحم القلوب اليوم بالورود الحمراء والوعود المعسولة، وتعلو صور العشاق على منصّات التواصل، ويُختزل الحبّ أحياناً في هدية أو عشاء أو عبارة شاعرية عابرة. غير أنّ الحب، في جوهره، أعمق من طقسٍ اجتماعي وأسمى من مناسبةٍ عاطفية. إنّه موقف وجودي، وخيار أخلاقي، ومسار تضحية.

في هذا اليوم، لا بدّ أن نعيد تعريف الحب خارج الاستهلاك الموسمي والتجاري. الحب الحقيقي ليس انفعالاً مؤقتاً، بل فعل إرادة، التزام، وبذل. الحب ليس فقط أن نُحَبّ، بل أن نُحِبّ حتى عندما لا يُقابل حبّنا بالمثل. هنا يتجلّى المعنى الأسمى للمحبة كما جسّدها يسوع المسيح، الذي لم يجعل من الحب شعاراً بل مسارًا، ولم يختزله بكلمة بل أثبته على الصليب. العيد الحقيقي هو يوم يتذكّر فيه الإنسان أن المحبة بلغت كمالها في العطاء حتى النهاية. في تعليم المسيح، لم يكن الحب عاطفة انتقائية، بل وصيّة جامعة “أحبوا بعضكم بعضاً كما أنا أحببتكم” هذه الـ”كما” هي بيت القصيد، لأنها تنقل الحب من دائرة الشعور إلى دائرة الفعل، من حدود المصلحة إلى أفق التضحية.

لا حبّ دون مسامحة، فالغفران ليس تفصيلاً أخلاقياً، بل شرطًا وجوديًا لبقاء أي علاقة. كل حبّ يخلو من القدرة على الصفح يتحوّل سريعاً إلى امتلاك، إلى حسابات، إلى تراكم جراح صامتة. أما المحبة التي تعلّمناها من المسيح فهي تلك التي تقول اغفر سبعين مرة سبع مرات. أي اغفر بلا عدّ، بلا شروط، بلا إذلال للطرف الآخر.

في غياب الغفران، يصبح الحب هشّاً، قابلاً للانكسار عند أول اختبار. أما حين تتقدّم المسامحة على الكبرياء، يصبح الحب قوة شفاء، لا مجرد رابطة عاطفية. المسامحة ليست ضعفاً، بل انتصارًا على النفس، هي إعلان أن العلاقة أهم من الخطأ، وأن الإنسان أهم من زلّته.

لذلك، في الرابع عشر من شباط، لنسأل أنفسنا،

هل نحتفل بحبٍّ قائم على الأخذ أم على العطاء؟

على التملك أم على الحرية؟

على الذاكرة الانتقائية أم على الغفران الشامل؟

لأن الحب الذي لا يعرف الغفران ، لا يعرف الاستمرار. عيد الحب ليس يوماً للورود فقط، بل هو دعوة إلى تجديد العهد بالمحبة الكاملة، تلك التي تُضحي، تصبر، تغفر، وتنهض من جديد. هو عيد القلب الذي يتشبه بقلب المسيح، فيرى في الآخر أخاً لا خصماً، وشريكاً لا عبئاً.

حينها فقط، يصبح الرابع عشر من شباط أكثر من مناسبة. يصبح شهادة بأن الحب، كما أراده الله، هو طريق خلاص الإنسان من أنانيته، وباب سلامه الداخلي، وجسر عبوره نحو الآخر.

فليكن عيدنا إذاً عيد المحبة التي لا تسقط، لأن أساسها الغفران، وروحها العطاء، ونموذجها يسوع.