الفرق بين الاستثمار والاستغلال هو الضمير

بين وطنٍ يُعاش، ووطنٍ يُستَعمل
جلس الرجلان وجهاً لوجه. الأول هادئ الملامح، تعب السنين واضح في عينيه، لكنه تعب يشبه تعب البنّائين لا تعب الناهبين. الثاني أنيق، واثق، تحيط به هالة من الشعارات الرنّانة الفضفاضة، القادمة من عند الله.
قال الثاني مبتسمًا:
أنا وطني بامتياز. خدمت الدولة، عززت نفوذ عائلتي، ضمنت مستقبل أولادي أليست العائلة نواة للوطن؟ أجابه الأول بصوت هادئ مفعم بسلام داخلي، لكنه حاسم، العائلة نواة المجتمع، نعم هذا صحيح، لكن حين تتحول الدولة إلى مزرعة، يصبح الوطن مجرد وسيلة. الوطنية ليست أن تورّث أبناءك السلطة، بل أن تورّثهم دولة لا تحتاج إلى واسطة.
ضحك الثاني:
كلام مثالي، السياسة فن الممكن. ومن لا يستفد من السلطة يُؤكل. أنا فقط عرفت كيف أستثمر موقعي.
رد الأول:
الفرق بين الاستثمار والاستغلال هو الضمير، أنت استثمرت في نفوذك وغاب الضمير، وأنا استثمرت في الناس وفي ضمير الناس، أنت كبرت عائلتك داخل الدولة، وأنا حاولت أن أُكبّر الدولة فوق العائلات.
قال الثاني بنبرة دفاع:
لكنني بنيتُ مشاريع، وعيّنتُ أقاربي لأنهم أهل ثقة، هل تريدني أن أترك موقعي لغرباء؟
قال الأول:
الدولة لا تُدار بمنطق الثقة الشخصية، بل بمنطق الكفاءة والمساءلة، حين تختزل الوطن في دائرة دمك، فأنت لا تحميه، بل تحاصره.
سكت الثاني لحظة ثم قال: أنت ضحّيت بوقتك، بأولادك، ببيتك ماذا جنيت؟ لا قصر ولا رصيد، بل منزل مُستأجر ٌفي جزيرة.
ابتسم الأول ابتسامة خفيفة:
جنيت أن أولادي حين يكبرون لن يطأطئوا رؤوسهم. جنيت أن اسمي لا يُهمس به في ملفات الفساد. جنيت وطناً، ولو كان ناقصاً، حاولت أن أُبقيه أكبر من شهيتي، فكان لبنان كله بيتي.
اقترب الثاني وقال متحديًا: لكن الناس تهتف لي، يسمونني زعيماً وطنياً.
أجاب الأول: الوطنية لا تُقاس بالهتاف، بل بما يبقى بعد انطفاء الميكروفونات. حين تذهب المناصب، ماذا يبقى؟ إن بقيت مؤسسات قوية، فأنت وطني، وإن بقيت شركات عائلية وأرصدة منتفخة، فأنت تاجر سلطة.
قال الثاني بصوت أخف: كلنا نحب الوطن.
رد الأول: حب الوطن ليس ادعاءً، بل انحيازا، هل انحزتَ للقانون حين تعارض مع مصلحة قريبك؟ هل قدّمت مصلحة الجمهورية على صورة عائلتك؟ الوطنية امتحان تضحية، لا خطاب اعتلاء. ساد صمت ثقيل، ثم قال الرجل الأول كمن يختم وصية، الوطن ليس ملكاً نوزعه على أبنائنا، بل أمانة نستعيرها من أبنائنا، من يخدم عائلته عبر الدولة، يستهلك الوطن، ومن يخدم الوطن ولو على حساب راحته، يصنع دولة يعيش فيها الجميع بلا إذلال. خفض الثاني عينيه لحظة، وفي المسافة بينهما، كان الفارق واضحًا، أحدهما رأى في الوطن فرصة،
والآخر رأى فيه رسالة،
رأى فيه قوميتنا اللبنانية.
.