السؤال الحقيقي ليس من هو الأقوى في طائفته؟ بل من هو الأصدق في وطنيته؟

تتكرر في الخطاب السياسي اللبناني، مقولة إن الزعيم الفلاني هو الأقوى في طائفته، وكأن معيار القوة يُختزل بالقدرة على شدّ العصب الطائفي أو احتكار تمثيل جماعة مدنية او عسكرية بعينها. هذه المقولة، على بساطتها الظاهرية، تُخفي خللًا عميقًا في فهم معنى القيادة وفي تصور مستقبل الجمهورية اللبنانية.
صراحة نعلنها، لا يُبنى لبنان بالأقوى طائفيًا، بل بالأقوى وطنيًا. فالقوة الطائفية، مهما تعاظمت، تبقى قوة انقسام، تستمد حضورها من الخوف والغرائز والاصطفافات الضيقة. أما القوة الوطنية فهي قوة جامعة، تنطلق من فكرة الدولة، وتعلو فوق الحسابات الفئوية، وتضع مصلحة الجمهورية قبل أي ولاء آخر.
إن انتظار الزعيم الأقوى في طائفته يعني عمليًا تكريس منطق المحاصصة، وإعادة إنتاج الأزمات ذاتها بأسماء مختلفة. فالجمهورية اللبنانية لا تحتاج إلى رجال طوائف، بل إلى رجال دولة، لا تحتاج إلى من يفاوض باسم جماعته، بل إلى من يحكم باسم الدستور، ولا تحتاج إلى من يستقوي بالخارج أو بالتاريخ الطائفي، بل إلى من يستقوي بشرعية الوطن. مفهوم الرجل السياسي الوطني ليس شعارًا فضفاضًا ولا خطابًا موسميًا، الرجل الوطني هو من كانت قناعته النهائية راسخة بنهائية لبنان، بسيادته الكاملة، وبعظمته التاريخية والجغرافية. هو من يرى في لبنان وطنًا نهائيًا لجميع أبنائه، لا ساحة صراع ولا ورقة في مشاريع الآخرين. هو من يعتبر الدولة مرجعيته الوحيدة، والقانون سقفه الأعلى، والمواطنة هويته الأولى.
من هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس، من هو الأقوى في طائفته؟ بل من هو الأصدق في وطنيته؟ من هو الأقدر على جمع اللبنانيين لا تقسيمهم؟ ومن يملك شجاعة الانتقال من منطق الزعامة الطائفية إلى منطق القيادة الوطنية؟
لبنان، في لحظته التاريخية الحرجة، لا ينتظر زعيم طائفة أقوى من الآخرين بل ينتظر سياسيًا أقوى وطنيًا، رجلًا يؤمن بأن خلاصنا لا يكون إلا بدولة سيدة، عادلة، واحدة، اسمها الجمهورية اللبنانية.
ليس بالضرورة بتاتًا ان يكون السياسي الوطني محط اجماع عند كل اللبنانيين، فالبعض طائفي، والبعض ضعاف نفوس، والبعض “مصلحجي” والبعض أزلام، والبعض مرتهن لدولة ما، والبعض يفتخر بسلاح مجرم، وبعضنا الوطني بانتظار قدوم الوطني الأكبر، وبدأت تلوح في أفق الوطن هالة أرز، ومفخرة في النضال الوطني.