أيّ موازنة بعد خطاب نعيم؟

كيف يمكن للحكومة أن تقدّر الإيرادات؟

whatsapp image 2025 11 06 at 15.22.09

أيّ موازنة بعد خطاب نعيم؟

موازنة الدولة اللبنانية هي ببساطة تامة دفتر حسابات لبنان السنوي، تخبرنا الحكومة من خلاله من أين ستأتي الدولة بالأموال وكيف تنوي انفاقها. هذا يوصلنا الى نتيجة بسيطة جدا كل مواطن منا هو مموّل أساسي للموازنة. ماذا يعنينا نحن المفلسون من جراء الحكومات السابقة بغطاء من ذات الرأس البرلماني، كم سندفع، وهل سيصمد الراتب حتى آخر الشهر؟ موازنة الدولة ليست أمراً تقنياً أو محاسبياً بل قرار يطال حياة كل لبناني وحين تصبح الموازنة بلا رؤية او اصلاح يقع على عاتقنا دفع الثمن الذي لطالما رفضناه وعدنا دفعناه وانتخبنا من دفّعنا إياه.

ليس من باب المبالغة القول إنّ أي نقاش في الموازنة العامة بعد خطاب الشيخ نعيم قاسم، يصبح نقاشاً عبثياً، بل فاقداً لأساسه الدستوري والواقعي. فالموازنة، في جوهرها، هي ترجمة رقمية لسيادة الدولة، وخطة مالية مبنية على فرضية الاستقرار السياسي والأمني، وعلى حصرية القرارين المالي والعسكري بيد المؤسسات الشرعية. فإذا سقطت هذه الفرضيات، سقطت الموازنة معها، وبالتالي سقطت الحكومة كونها عاجزة عن تلبية شؤون المواطن، ويتساءل كيف يمكن إعداد موازنة دقيقة في بلد يُعلَن فيه، صراحة أو ضمناً، أن قرار الحرب والسلم ليس بيد الدولة؟

كيف يمكن للحكومة أن تقدّر الإيرادات، أو تضبط النفقات، أو تتحدث عن نمو واستثمار، فيما يخرج مسؤول في تنظيم مسلح ليعلن استعداد لبنان -لا نفسه فقط – للدخول في حرب إقليمية إلى جانب إيران ضد الولايات المتحدة إذا نشبت؟

أي موازنة تُبنى في ظل هذا الواقع ليست فقط غير دقيقة، كون دراسة تحضير الموازنة لم تلحظ قرار الشيخ نعيم ولم تأخذه بالحسبان، لذلك تصبح مرفوضة سياسياً وباطلة معنوياً، لأنها تفترض دولة لا تمارس سيادتها، وسلطة لا تملك قرارها. السؤال الجوهري هنا ليس مالياً بل دستورياً ونتمنى من جهابذة المجلس النيابي والحكومة توضيح الموقف الرسمي، هل يملك أي تنظيم مسلح في لبنان مهما كانت تسميته أو خلفيته، صلاحية إعلان موقف استراتيجي يضع البلاد في خانة العداء مع دولة عظمى؟ الدستور اللبناني واضح قرار الحرب والسلم، السياسة الخارجية هي من اختصاص الحكومة الممثِلة للشرعية اللبنانية، فأي إعلان يعرّض البلاد لخطر عسكري أو عقوبات دولية خارج هذه الأطر هو تعدٍّ مباشر على السيادة اللبنانية وعليه، فإن ما قيل لا يمكن اعتباره رأياً سياسياً بل هو موقف أمني وعسكري يتجاوز الدولة ويضعها أمام أمر واقع خطير. لذلك نسأل أين الحكومة؟

الخطير ليس فقط ما قيل، بل ما لم يُقَل من قبل الحكومة فالصمت هنا ليس حياداً، بل تواطؤًا أو عجزاً، وكلاهما يقوّض شرعية أي إجراء مالي لاحق، وفي طليعته الموازنة، كان يفترض بالحكومة إصدار موقف رسمي يرفض الزج بلبنان في أي حرب إقليمية وتحميل مطلقي هذه التصريحات كامل المسؤولية السياسية والقانونية عن تداعياتها من دون ذلك، ناسف أن نقول إن الحكومة هي شريك ضمني في المخاطرة، ولو بالصمت.

يا شريكي في الوطن، الحديث عن الاستعداد للحرب لا يمرّ بلا أثمان، هل حسبت أو هل حسب من يقف خلفك ردود الفعل الدولية، هل أُخِذت في الاعتبار العقوبات، أو الضربات الاستباقية، أو انهيار ما تبقى من الاقتصاد؟ إن أخطر ما في هذا الخطاب غير الحكيم وغير المسؤول هو الاستخفاف بتوازنات دقيقة وبقدرة لبنان الذي انهكتموه على تحمل صدمة جديدة تودي بنا الى أسفل درجات الغباء السياسي.

لو كنّا كحزب حراس الارز تحت قبّة البرلمان، لكان موقفنا واضحاً لا لبس فيه، من دون ردّ قوي، صريح، وقانوني من الحكومة على هذا الخطاب، فإن كل ما يمتّ بالموازنة بصلة يُعتبر باطلًا، شكلاً ومضمونًا، لا موازنة بلا سيادة ولا أرقام بلا قرار مركزي ولا شرعية مالية في ظل تعدّد المرجعيات العسكرية. الموازنة ليست جداول وأرقامًا فقط، بل إعلانًا ضمنيًا عمن يحكم، ومن يقرّر، ومن يتحمّل المسؤولية فإذا كان هناك من يملك حق جرّ لبنان إلى حرب لا قرار له فيها، فإن أي موازنة تُقَرّ في هذه الظروف ليست سوى ورقة بلا قيمة في دولة معلّقة بين الصمت والإسفاف. أي موازنة بعد خطاب الشيخ نعيم؟ السؤال بحد ذاته يحمل الجواب.