حين تصبح الحقيقة تهمة

whatsapp image 2025 11 06 at 15.22.09

من أخطر اللحظات في تاريخ الشعوب تلك التي يتحوّل فيها قول الحقيقة إلى فعل تمرّد، ويصبح الدفاع عن المنطق جريمة أخلاقية وسياسية لأن السلطة قرّرت أن الخطأ هو القانون، وأن الصمت هو الوطنية، وأن الطاعة العمياء أعلى مرتبة من الضمير. ليس الخطر الحقيقي أن تكون السلطة قوية، بل أن تكون مخطئة وهي تمتلك أدوات القوة معًا، الإعلام، والخوف، والتعبئة، والتخوين، واحتكار تعريف الوطنية. عندها يصبح الإنسان الذي يرى الحقيقة عبئًا على النظام العام، لا لأنه كاذب، بل لأنه يذكّر الجميع بأن هناك خللًا بنيويًا في المشهد كله.

عبر التاريخ، لم تكن السلطات تخشى الجهلاء، بل كانت تخشى أصحاب الوعي. فالجاهل يمكن قيادته بالشعار، أما صاحب الفكر فيُربك المنظومة بمجرد طرح سؤال. ولهذا كانت الأنظمة المتأزمة تعتبر المفكر أخطر من المسلّح، والكلمة أخطر من الرصاصة، لأن الرصاصة قد تقتل فردًا، أما الفكرة فقد تُسقط شرعية كاملة.

تبدأ المأساة الفلسفية الكبرى حين تنفصل السلطة عن الحقيقة. ففي اللحظة التي تعتبر فيها الدولة أو الجماعة أو الحزب نفسه معصومًا عن الخطأ، تتحوّل السياسة من إدارة للشأن العام إلى دين مغلق، ومن وطن إلى قطيع، ومن مواطنين إلى أتباع. هنا يصبح الاعتراض خيانة، والتفكير مؤامرة، والحياد ضعفًا، والحقيقة نفسها مادة قابلة للتفاوض.

وقد قال الفيلسوف الألماني نيتشه إن أخطر أنواع الطغيان هو ذلك الذي يجعل الناس يحبون قيودهم. فالسلطة الخاطئة لا تعيش فقط بالقوة، بل تعيش عندما يقتنع الناس أن السكوت أكثر أمانًا من الصدق. وهنا تحديدًا يولد الخوف الوجودي: أن تكون على حق في زمن أصبحت فيه الحقيقة مكلفة.

فالإنسان حين يواجه سلطة مخطئة يجد نفسه أمام معادلة قاسية:

إما أن يحافظ على سلامته ويخسر ضميره، أو يحافظ على ضميره ويخسر امتيازات كثيرة وربما أمنه الشخصي والاجتماعي. لذلك كان أصحاب المواقف عبر التاريخ قلّة، لأن الكثرة غالبًا تبحث عن الاستقرار لا عن الحقيقة، وعن النجاة لا عن العدالة

لكن المفارقة العميقة أن كل السلطات التي حاربت الحقيقة سقطت في النهاية أمامها. فالحقيقة قد تُهزم مؤقتًا، لكنها لا تموت، لأن الواقع لا يمكن تزويره إلى الأبد. قد تنتصر الدعاية سنوات، وقد يخاف الناس زمنًا طويلًا، لكن التاريخ في النهاية لا يكتب ما فرضته السلطة، بل ما أثبته الزمن.

إن المجتمعات التي تتقدم ليست تلك التي تعتبر الحاكم مقدسًا، بل تلك التي تسمح بمحاسبته. وليست القوية هي التي تُسكت المختلف، بل التي تستطيع احتمال النقد دون أن تنهار. فالحضارة تبدأ عندما يصبح الحق أعلى من القوة، وعندما يصبح الإنسان قادرًا على قول لا دون أن يُتّهم بالخيانة، لذلك، فإن أخطر ما قد يواجهه الإنسان ليس أن يكون على خطأ، بل أن يكون على حق في زمنٍ قررت فيه السلطة أن الخطأ هو الحقيقة الرسمية، هذا ما حصل في كل عهود ما بعد الطائف حين قررت السلطة ان ميليشيا واحدة تحتكر السلاح، والامن، وتقرر الحروب والتدخلات في امن بلدان محيطنا.