الديانة الابراهيمية

إبراهيم حلقة في التاريخ، والمسيح ربّه

يطالعنا البعض بالقول إن المسيحية ديانة إبراهيمية، فيضعها ضمن تصنيف تاريخي يجمعها باليهودية والإسلام، باعتبار أن إبراهيم شخصية مركزية في تراث هذه الديانات المسماة سماوية. هذا الوصف قد يصحّ من زاوية تاريخ الأديان أو من حيث اشتراكها في الحديث عن إبراهيم والإله الواحد، لكنه لا يكفي لتحديد حقيقة المسيحية، بل قد يضلّل حين يُقدَّم كأنه تعريفها الجوهري.

بدء المسيحية ليس بإبراهيم، ولم تتأسس على نسبٍ بشري أو رابطة قومية أو عهدٍ محدود بزمن. إنها تبدأ بالمسيح، الكلمة، الأزلي الذي به كان كل شيء، والذي دخل التاريخ متجسّدًا لكي يرفعه ويجدّده. إبراهيم هو في سلسلة التاريخ، أما المسيح فهو ربّ التاريخ ومكمّله.

حين قال يسوع: قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن، لم يضع نفسه في ترتيب زمني أسبق من إبراهيم وحسب، بل أعلن فرقًا بين من دخل إلى الوجود في لحظة من الزمن، وبين من هو قائم قبل الزمن. إبراهيم كان في التاريخ، أما المسيح فهو الكائن، الحاضر قبل كل بداية، الذي منه يستمدّ الزمن نفسه معناه ووجهته.

لذلك، لا تنظر المسيحية إلى إبراهيم بوصفه أصلها أو مصدر حقيقتها، بل بوصفه شاهدًا من شهود الوعد. هو آمن بالوعد، أما المسيح فهو تحقيق الوعد، هو انتظر الخلاص، أما المسيح فهو الخلاص، هو سار بالإيمان نحو ما لم يره، أما المسيح فهو النور الذي أضاء الطريق وكشف الآب للإنسان.

والفرق هنا ليس إنكارًا لإبراهيم ولا انتقاصًا من مكانته، بل وضعٌ صحيح للمقامات. فالإيمان المسيحي لا يجعل الإنسان يعود إلى الوراء ليقف عند بداية الطريق، بل يدعوه إلى السير نحو الغاية التي ظهر معناها في المسيح. إن المسيحية لا تُختزل في شجرة أنساب روحية، لأن الإنجيل لا يقدّم الخلاص كامتياز وراثي، بل كولادة جديدة: إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة.

ولهذا لا يصحّ، من المنظور الروحي المسيحي، أن نقول إن المسيحية إبراهيمية، بالمعنى الذي يجعل إبراهيم مرجعها الأعلى أو أصل هويتها. المسيحية هي إيمان بالمسيح، وبالآب الذي أعلنه، وبالروح الذي يحيي فيها الإنسان. وهي تستقبل إبراهيم داخل نور المسيح، لا تستقبل المسيح داخل حدود إبراهيم. إبراهيم أبٌ في الإيمان لأنه استجاب لنداء الله، لكن المسيح ليس واحدًا من أبناء الإيمان فقط، هو موضوع الإيمان ومصدر الحياة الجديدة. إبراهيم يشير إلى الآتي، أما المسيح فهو الماضي والحاضر والمستقبل، إبراهيم يفتح باب الرجاء، أما المسيح فهو الرجاء الذي صار وجهًا وكلمة وحياة.

لهذا، إن استُعمل وصف إبراهيمية كتعبير أكاديمي عن تقاطع تاريخي، فلا ينبغي تحويله إلى عقيدة أو هوية روحية للمسيحية. فجوهر المسيحية ليس الانتساب إلى إبراهيم، بل الاتحاد بالمسيح، ليس الوقوف عند الوعد، بل الحياة في تحقيقه، ليس البحث عن الله عبر التاريخ فقط، بل لقاء الله الذي دخل التاريخ لكي يقود الإنسان إلى ما هو أبعد من التاريخ، الحياة الأبدية.