محاربة الشيطان ليست بالدم

كثيرون في عالمنا اليوم يرفعون شعار محاربة الشيطان والشر، دولٌ وأحزابٌ عقائدية تدّعي أنها تخوض حربًا مقدّسة دفاعًا عن الإيمان أو عن الحقيقة. لكن السؤال الجوهري الذي يجب طرحه هو: هل تُحارَب الشرور بالقتل؟ وهل تُهزَم قوى الظلام بالجرائم وسفك الدماء؟ إنّ التاريخ والضمير الإنساني يقولان عكس ذلك تمامًا. فحين تتحوّل الشعارات الدينية إلى سيوف، وحين يُستباح دم الإنسان باسم العقيدة أو السياسة، لا تكون النتيجة انتصارًا على الشيطان، بل سقوطًا في فخّه. لأنّ كل جريمة تُرتكب باسم الخير تمنح الشر قوةً جديدة، وكل قطرة دمٍ تُسفك باسم الله تُبعد الإنسان أكثر عن جوهر الإيمان..
الله، في جوهر الرسالات السماوية، لم يطلب من البشر أن يكونوا جلّادين، بل دعاهم ليكونوا بناة حياة. لم يطلب رقابًا تُقطع ولا دماءً تُسال، بل قلوبًا تعرف الرحمة، وعدلًا يحفظ كرامة الإنسان. إنّ تحويل الدين إلى أداة للعنف هو تشويهٌ لمعناه العميق، واختطافٌ لقداسته لخدمة مشاريع سياسية أو سلطوية. إنّ الذين يرفعون رايات الحرب باسم الله ينسون حقيقة بسيطة: أنّ الشر لا يُهزَم بتقليده. فمن يحارب الشيطان بأساليبه يصبح، من حيث يدري أو لا يدري، جزءًا من منظومته. فالقتل يولّد القتل، والعنف يلد عنفًا أكبر، وهذه الدائرة لا تنكسر إلا حين ينتصر صوت العقل والضمير والمحبة على شهوة القوة والنفوذ.
نحن أبناء السلام، لا لأننا ضعفاء، بل لأننا نؤمن بأن الإنسان خُلق ليحيا لا ليُذبح، وليبني لا ليهدم. والإيمان الحقيقي لا يُقاس بعدد المعارك ولا بحجم الدمار، بل بقدرة الإنسان على حماية الحياة وصون كرامة الآخر.
في الختام، نقول لكل من يستغل اسم الله ليبرّر العنف والهيمنة: كفاكم استخدامًا لله في معارك السياسة والنفوذ. فالله لا يحتاج إلى دمائكم ولا إلى سيوفكم، بل إلى ضمائر حيّة تعرف أنّ طريقه هو طريق السلام.
أمّا الله، فبريء من كل الدماء التي تُسفك باسمه.