العقيدة المدمرة

قراءة في بيان اتيان صقر

إنّ الخطر الذي يمثّله حزب الله لا يقتصر على امتلاكه ترسانة عسكرية خارجة عن سلطة الدولة، بل يتجاوز ذلك إلى البنية العقائدية التي شكّلت أساس وجوده السياسي والتنظيمي. فالسلاح، مهما بلغ حجمه، يبقى أداة أمّا العقيدة فهي المحرّك الحقيقي الذي يوجّه هذه الأداة ويمنحها شرعيتها الفكرية والنفسية. من هنا تكمن خطورة المشروع الذي يحمله الحزب، لأنّه ليس مشروعاً لبنانياً نابعاً من التجربة التاريخية اللبنانية القائمة على #التعددية والانفتاح والاقتصاد الحر والتفاعل الحضاري، بل هو مشروع مستورد من النموذج الإيراني القائم على ولاية الفقيه وربط القرار السياسي والعسكري والعقائدي بمركز خارجي يتجاوز حدود الدولة اللبنانية.

لقد نشأ لبنان، رغم كل تناقضاته، على فكرة التنوّع والحرية الفردية والانفتاح الثقافي والاقتصادي،

بينما جاءت عقيدة الحزب لتفرض نموذجاً مغايراً يقوم على التعبئة الأيديولوجية الدائمة، وتحويل المجتمع إلى بيئة صراع مستمر. فبدل ترسيخ مفهوم المواطن الحر المنتمي إلى الدولة، جرى تكريس مفهوم العقيدة العابرة للحدود التي تجعل الولاء العقائدي والسياسي مرتبطاً بمشروع إقليمي تقوده إيران، لا بالمصلحة اللبنانية العليا. هنا يظهر البعد الأخطر في المسألة، إنّ الحزب لم يكتفِ بتكوين تنظيم عسكري، بل عمل على إنشاء مجتمع موازٍ داخل الدولة اللبنانية، عبر مؤسسات تربوية وثقافية ودينية وإعلامية تُعيد تشكيل الوعي الجمعي وفق عقيدة سياسية تمجّد العنف بوصفه غاية وجودية دائمة، لا حالة استثنائية مرتبطة بالدفاع عن الوطن. ومن خلال مدارس ومؤسسات كالمهدي والمصطفى، يتم إنتاج أجيال تُربّى على عقلية المواجهة المستمرة والانغلاق العقائدي، بدلاً من إعداد جيل يؤمن بالعلم والاقتصاد والابتكار وبناء الدولة الحديثة.

إنّ الفكر اللبناني الحر، الذي صنع الجامعات والصحافة والفنون والاقتصاد والخدمات والانفتاح على العالم العربي والغربي، يتناقض جذرياً مع الفكر العقائدي المغلق الذي يعتبر المجتمع ساحة تعبئة دائمة. لذلك، فإنّ الأزمة ليست فقط في السلاح، بل في ثقافة سياسية كاملة تقوم على تحويل الإنسان إلى أداة في مشروع غير وطني، وعلى استبدال مفهوم الحياة بمفهوم الموت المرتبط بالعقيدة الثورية الإيرانية.

سياسياً، أدّى هذا المشروع إلى ضرب مفهوم السيادة اللبنانية، لأنّ وجود قوة عقائدية مرتبطة استراتيجياً وعقائدياً بالخارج يعني عملياً قيام دولة داخل الدولة. وقد انعكس ذلك في تعطيل المؤسسات الدستورية، وجرّ لبنان إلى حروب وصراعات إقليمية لم تكن نابعة من الإرادة الوطنية اللبنانية، بل من حسابات المحور الإيراني في المنطقة. وهكذا تحوّل لبنان تدريجياً من مساحة تلاقٍ اقتصادي وثقافي إلى ساحة اشتباك إقليمي مفتوح، ما ساهم في انهيار الاقتصاد، وهجرة الكفاءات، وتفكك مؤسسات الدولة.

ختاماً، نؤكد كحزب حراس الأرز، أنّ مواجهة هذا المشروع لا يمكن أن تكون عسكرية فقط، لأنّ تفكيك البنية المسلحة من دون معالجة الجذور العقائدية سيؤدي إلى إعادة إنتاج الظاهرة بأشكال مختلفة. المطلوب هو إعادة الاعتبار لفكرة الدولة اللبنانية الجامعة، وللهوية اللبنانية الحرة التي ترى في الإنسان قيمة بحد ذاته، لا وقوداً لمعركة أيديولوجية دائمة. كما أنّ إنقاذ الطائفة الشيعية من الارتهان لهذا المشروع يُعدّ ضرورة وطنية وأخلاقية، لأنّ هذه الطائفة شكّلت تاريخياً جزءاً أصيلاً من النسيج اللبناني وأسهمت في نهضة لبنان الثقافية والاقتصادية والسياسية، ولا يجوز اختزالها في مشروع عقائدي مستورد صادر عن بيئة سياسية غير لبنانية. إنّ المعركة الحقيقية اليوم هي بين مشروعين، مشروع الدولة الحرة السيدة المزدهرة، ومشروع العقيدة الثورية المرتبطة بالخارج. وبين ثقافة الحياة التي تبني الإنسان والوطن، وثقافة الموت التي تُحوّل الأوطان إلى ساحات دائمة للحروب والانهيار.

هنا لا بد لي ومن هذه الصفحة الوطنية بامتياز أن أوجه كلامي الى الطلاب لأنهم أعمدة المستقبل، مستعينا بعبارة من خطاب القائد أبو أرز في المؤتمر الطلابي الأول في المون لا سال بتاريخ 17/4/1977 .

الحفاظ على وحدة لبنان مهما تنوعت أشكال ادارته أو تحكمت به النظريات السياسية المختلفة، او الصيغ المتعددة. حماية لبنان بجيش يكون الانخراط فيه شرفاً لا ارتزاقاً وواجباً لا وظيفة. ولتكن مطالبنا متعبة وشاقة:

أن نولد للبنان

ونتعلم للبنان

ونعمل لمجده ونستمر لبقائه.

وليكن شعاركم دائماً ” لبيك لبنان”

الخلاصة:

إن إنقاذ الطائفة الشيعية من هذا النهج المدمّر هو ضرورة وطنية وأخلاقية ملحّة، ومقدّمة حتمية لإنقاذ لبنان، ونقله من ثقافة الموت إلى ثقافة النمو والازدهار وكرامة الإنسان.