لبنان يتيم الأب والأم

قراءة سياسية في بيان اتيان صقر

لم يعد ممكنًا التعامل مع الأزمة اللبنانية بوصفها أزمة داخلية محصورة بالفساد أو بسوء الإدارة أو حتى بالانقسام السياسي. فلبنان يعيش تحت وطأة منظومة إقليمية ودولية تعاملت معه كمنطقة نفوذ لا كوطن مستقل، وكورقة مساومة لا كدولة ذات سيادة. من هنا، تأتي عبارة القائد أبو أرز، لبنان يتيم الأب والأم كتوصيف سياسي عميق لانهيار كل المرجعيات الخارجية التي ادّعت يومًا حماية لبنان فيما كانت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، تساهم في إضعافه وإبقائه رهينة التوازنات الدولية والمحاور الإقليمية.

لقد اعتادت بعض الأنظمة العربية استخدام خطاب الأخوّة تجاه لبنان، فيما كانت تمارس عمليًا سياسة الوصاية عليه. فعبارة “الشقيق الأصغر” لم تكن يومًا توصيفًا بريئًا، بل تحوّلت مع الزمن إلى غطاء سياسي للتدخّل في القرار اللبناني، ولإبقاء هذا البلد الصغير أسيرًا للتجاذبات العربية والإقليمية. لم يُترك لبنان يومًا ليبني مشروعه الوطني الحر، بل استُخدم ساحةً لتصفية الحسابات، ومنصّةً للحروب الإعلامية والأمنية والعسكرية، إلى أن تحوّل تدريجيًا إلى دولة منهكة فاقدة للاستقرار والسيادة الاقتصادية والسياسية.

أما فرنسا، التي لطالما قدّمت نفسها أمًا حنونة، سقطت هي الأخرى في امتحان الحياد تجاه لبنان. فجزء واسع من اللبنانيين بات يرى أن باريس لم تعد تتعامل مع لبنان كدولة تستحق الدعم الحقيقي للخروج من أزماتها، بل كملفّ سياسي يُدار وفق حسابات المصالح الدولية والتوازنات الإقليمية. ولذلك، لم يعد مستغربًا ارتفاع الأصوات المطالبة بإبعاد فرنسا عن التأثير في القرار اللبناني، بعدما تبيّن أن الرعاية الدولية لم تمنع انهيار المؤسسات، ولا الانفجار المالي، ولا تمدّد نفوذ الميليشيات، ولا سقوط مفهوم الدولة نفسها.

في المقابل، يعيش لبنان اليوم تحوّلًا سياسيًا وفكريًا عميقًا. فبعد سنوات طويلة من الحروب والشعارات العقائدية، بدأت أغلبية ساحقة من اللبنانيين اعادة النظر في المسلّمات السياسية التي حكمت منذ عقود. لقد اكتشف اللبنانيون أن ربط مصيرهم بالمحاور الخارجية لم يجلب لهم سوى الانهيار والعزلة والفقر والهجرة، وأن تحويل لبنان إلى جبهة دائمة تحت شعارات فارغة كالمقاومة والصراع المفتوح أدّى عمليًا إلى تدمير الاقتصاد، وضرب الاستقرار، وعزل لبنان عن العالم.

من هنا، يبرز النقاش المتزايد حول المفاوضات مع إسرائيل بوصفها خيارًا سياسيًا واستراتيجيًا لا يمكن عزله عن واقع الانهيار اللبناني. فبالنسبة إلى فئة وازنة من اللبنانيين، لم يعد ينظر نحو السلام كخيانة أو استسلام، بل كخطوة سيادية تهدف إلى إخراج لبنان من دائرة الحروب الدائمة، وفتح الباب أمام إعادة بناء الدولة واستعادة الاقتصاد وجذب الاستثمارات وإعادة ربط لبنان بالعالم.

إن التحوّل الحقيقي في الوعي اللبناني يكمن في انتقال مفهوم السيادة من الخطاب النظري إلى مفهوم الدولة الفعلية. فالدولة لا تُبنى بالشعارات، بل بالمؤسسات والاستقرار والاقتصاد والانفتاح. والسيادة لا تعني فقط رفع الخطابات الحماسية، بل تعني أيضًا حماية الشعب من الانهيار، وتأمين مستقبله، ومنع تحويل أرضه إلى منصة لحروب الآخرين.

في هذا السياق، ترى الأغلبية الساحقة من اللبنانيين أن أي اتفاق سلام مستقبلي، برعاية دولية وخصوصًا برعاية أميركية يقودها الرئيس ترامب، قد يشكّل فرصة تاريخية لإعادة إدخال لبنان في النظام الاقتصادي والسياسي العالمي، بعدما جرى عزله لعقود بفعل الحروب والخيارات العقائدية المتطرفة. فالعالم اليوم يتحرّك وفق المصالح والتحالفات الاقتصادية، بينما ما زال لبنان غارقًا في صراعات القرن الماضي.

أما القوى التي ترفض هذا التحوّل، وتُصرّ على إبقاء لبنان ضمن منطق الساحات والمحاور، فهي عمليًا تدافع عن استمرار الانهيار، لأن قيام دولة لبنانية حقيقية وقوية يتناقض تلقائيًا مع وجود الدويلات، السلاح غير الشرعي والاقتصاد الموازي والولاءات العابرة للحدود.

لقد وصل اللبنانيون إلى مرحلة تاريخية مفصلية، حيث بات السؤال المطروح ليس فقط أي لبنان يريدون، بل هل يريدون وطنًا طبيعيًا يعيش فيه المواطن بحرية واستقرار وكرامة، أم يريدون البقاء أسرى الحروب والشعارات والمشاريع الخارجية؟

طرح القائد لم يتغير منذ اليوم الأول لنضال حزب حراس الأرز، واليوم يكرره لأننا نواجه وضعًا مقلقًا وخطيرًا يتمثل في عقيدة وسلاح حزب الله، علينا مواجهة الواقع المذري من خلال الموقف المتجلي، لقد أدرك القائد واقع لبنان بموضوعية وانطلق منه كما دائمًا، لا للتسليم ولكن للمجابهة، وتحقيقًا لذلك اذهبوا نحو تسريع الزمن، تأخر السلام من العام 1982، أما الآن سرّعوا الزمن واذهبوا الى السلام. الأفضل أن نستشهد ونحن نسعى الى الزمان الجيّد على أن نعيش في الزمان الرديء، أي زمان السيطرة الإيرانية.

إن لبنان، الذي تُرك طويلًا وحيدا قد بدأ يكتشف أن خلاصه لن يأتي إلا من إرادة لبنانية حرّة تعيد تعريف المصلحة الوطنية بعيدًا عن كل الوصايات. فلبنان ليس تابعًا لأحد، وليس ملكًا لأي محور، بل وطن يستحق أن يعود دولة حقيقية، حرّة، سيّدة، ومستقرّة

الخلاصة:

ما يطلبه الشعب اللبناني، بأكثريته الساحقة، هو متابعة المفاوضات مع اسرائيل

أسرع، وعلى أعلى المستويات، توصّلًا لإبرام اتفاقية سلام معها، بوتيرةٍ

برعاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب، على أمل أن يجعل لبنان عظيمًا من جديد.

أما كل خطابٍ يُعارض هذا المسار، فهو لا يمثّل أحرار لبنان، بل يمثّل أعداءه.

هكذا قال: أبو أرز