حين تصبح العقيدة أخطر من السلاح

whatsapp image 2025 11 06 at 15.22.09

قراءة في دور حزب الله داخل التركيبة اللبنانية.

في مقاربة أي تنظيم مسلّح داخل كيان تعددي كلبنان، غالباً ما يميل النقاش العام نحو التركيز على عنصر القوة المادية، السلاح، الانتشار، والقدرة العسكرية. إلا أن هذا التركيز، على أهميته، يبقى قاصرًا إذا لم يُرفق بتحليل أعمق للبنية العقائدية التي تنتج هذا السلاح وتمنحه شرعيته. في حالة حزب الله، تكمن الخطورة الجوهرية لا في ترسانته العسكرية بحد ذاتها، بل في العقيدة السياسية الأيديولوجية التي تؤطر هذه القوة وتعيد إنتاجها داخل بيئة اجتماعية مغلقة، لا تُطرح تلك العقيدة كمجرد خيار سياسي قابل للنقاش أو التداول، بل كمنظومة شاملة تُقدَّم بوصفها حقيقة نهائية تتجاوز الدولة، والدستور، وحتى مفهوم التعددية الذي قام عليه لبنان. هنا يكمن التحول الخطير، من حزب ضمن نظام، إلى بنية فوق نظامية تفرض سرديتها الخاصة على جمهورها، وتفصله تدريجيًا عن أي أفق فكري أو وطني مشترك.

 لا تتعلق هذه الإشكالية بموقف سياسي أو تحالف إقليمي فقط، بل بعملية تشكيل وعي طويلة الأمد. حيث يُعاد إنتاج الفرد داخل بيئته من خلال خطاب تعبوي مغلق، يربط الهوية بالانتماء العقائدي، ويُجرّم الاختلاف، ويحوّل النقد إلى خيانة. هذا النمط من التلقين لا يكتفي بضبط السلوك، بل يسعى إلى احتكار التفكير ذاته، ما يؤدي إلى نشوء مجتمع موازٍ داخل المجتمع اللبناني، له معاييره الخاصة، لغته الخاصة، مرجعياته التي لا تتقاطع مع الدولة الا بما يناسب مصلحة الحزب، الذي هو فوق الدولة. من هنا، يصبح السلاح نتيجة طبيعية لهذه العقيدة، لا العكس، نظريًا يمكن نزع ضمن تسويات داخلية أو ضغوط خارجية، أما العقيدة، حين تتجذر، تتحول إلى بنية ذهنية وثقافية يصعب تفكيكها. بل إن أي محاولة لنزع السلاح دون معالجة هذه البنية قد تؤدي إلى نتائج عكسية، إذ تبقى القاعدة الفكرية التي تُنتج أشكالًا أخرى من القوة أو النفوذ. الأخطر من ذلك، أن هذه العقيدة تخلق حالة من الانغلاق الذاتي داخل البيئة الحاضنة، حيث يُنظر إلى العالم الخارجي بعين الشك أو العداء، ويُرفض أي تفاعل فكري أو ثقافي قد يُحدث خلخلة في البنية القائمة. وهنا يُطرح السؤال، كيف يمكن لمجتمع أن يتطور، أو حتى أن يتعايش، إذا كانت إحدى مكوناته الأساسية محكومة بمنظومة ترفض مبدأ التعدد من أساسه؟

لبنان، بطبيعته، ليس دولة أحادية الهوية أو الاتجاه، بل مساحة توازنات دقيقة بين مكونات مختلفة، وأي عقيدة سياسية تسعى إلى صهر هذه التعددية ضمن قالب واحد، أو إلى فرض مرجعية فوق وطنية على حساب الدولة، إنما تهدد الكيان من الداخل، ليس عبر الحرب، بل عبر تفكيك مفهوم العيش المشترك نفسه. بالتالي، فإن مقاربة خطر حزب الله لا يمكن أن تختزل في معادلة السلاح وحده، بل يجب أن تنطلق من تفكيك البنية العقائدية التي تغذيه. فالمعركة الحقيقية، ليست فقط على الأرض، بل في الوعي، بين من يرى لبنان كدولة نهائية جامعة، ومن يراه ساحة ضمن مشروع أوسع يتجاوز حدوده، في هذا السياق، يصبح السؤال الجوهري: هل يمكن إعادة دمج هذه البيئة ضمن إطار وطني تعددي، أم أن استمرار هذه العقيدة سيؤدي، مع الوقت، إلى ترسيخ انقسام بنيوي يصعب تجاوزه؟