مضيق هرمز بين الرابح استراتيجيًا والخاسر اقتصاديًا

whatsapp image 2025 11 06 at 15.22.09

إيران لا تضغط على إسرائيل، بل تعمل لديها دون أجر.

في عالمٍ يُفترض أن تحكمه قواعد واضحة لا أهواء ونزوات القوة، جاءت اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لتؤدي دور ما يشبه الدستور البحري المنظّم للعلاقات بين الدول. لم تكن هذه الاتفاقية مجرد إطار تقني لإدارة المياه، بل محاولة جديّة لوضع حدّ للفوضى التاريخية التي جعلت البحار ساحة مفتوحة للصراع. فقد رسمت بدقة حدود السيادة الوطنية، وحددت في المقابل نطاق الحرية المشتركة التي لا يجوز المساس بها. ضمن هذا السياق، اكتسبت المضائق الدولية أهمية استثنائية، وفي مقدّمها مضيق هرمز، الذي لا يُختزل في كونه ممرًا مائيًا، بل هو شريان حيوي يربط اقتصادات العالم ويغذّي أسواقه بالطاقة. هنا، لم تترك الاتفاقية مجالًا للاجتهاد السياسي، بل كرّست مبدأ المرور العابر كحق أصيل غير قابل للمساومة، مرور حر، سريع، وغير معرقَل، لا تملك الدول المشاطئة أو المطلة تعطيله أو إخضاعه لإرادتها السيادية الضيقة. هذه الدول هي إيران، والإمارات العربية المتحدة، وسلطنة عمان.
غير أن الإشكالية لا تنبع من الاتفاقيات، بل من كيفية التعامل معها. فعندما تُختزل الجغرافيا إلى أداة نفوذ، ويتحوّل الموقع الاستراتيجي إلى ورقة ضغط، تبدأ القواعد بالتآكل تحت وطأة الاجتهادات، إن الحديث عن فرض رسوم عبور أو ضرائب في مضيق دولي كمضيق هرمز لا يمكن فهمه كإجراء إداري بريء، بل كمحاولة لإعادة تعريف ما حُسم قانونًا. فالاتفاقية، حتى في أكثر تفسيراتها مرونة، لا تجيز فرض رسوم على مجرد المرور، بل تحصر أي مقابل مالي بخدمات فعلية محددة، كالإرشاد الملاحي أو الدعم التقني. المفارقة أن الالتزام بالقانون الدولي لا يُقاس فقط بالتصديق الرسمي، بل أيضًا بالامتثال لما استقرّ كعرف دولي. فحتى الدول التي لم تُكمل إجراءات الانضمام تجد نفسها عمليًا خاضعة لهذه القواعد، لأن استقرار النظام البحري العالمي لا يحتمل الاستثناءات الانتقائية. حرية الملاحة في المضائق ليست امتيازًا تمنحه دولة، بل قاعدة تفرضها الجماعة الدولية لحماية توازن شديد الحساسية.
من هذا المنطلق، فإن أي محاولة لتحويل المرور في مضيق هرمز إلى أداة مالية أو ورقة تفاوض تتجاوز كونها خلافًا قانونيًا، لتطرح سؤالًا أعمق، هل تبقى الممرات الدولية فضاءات مشتركة تحكمها قواعد موحّدة، أم تتحول إلى نقاط اختناق تُدار بمنطق السيادة المطلقة؟ في الحالة الأولى، يستمر العالم ضمن منظومة قابلة للتنبؤ، أما في الثانية، فنكون أمام سابقة خطيرة تتيح لكل دولة تتحكم بممر استراتيجي أن تعيد رسم القواعد وفق مصالحها الآنية.
لكن، بعيدًا عن الجدل القانوني، يبرز السؤال الأكثر واقعية، من يدفع الثمن إذا أُغلق المضيق، ومن قد يستفيد؟
الأكثر تضررًا هم بلا شك دول الخليج، المملكة العربية السعودية، الإمارات العربية المتحدة، قطر، الكويت، والعراق، نظرًا لاعتمادها شبه الكامل على تصدير النفط والغاز عبر هذا الممر. أي تعطيل يعني خسائر بمليارات الدولارات وارتفاعًا حادًا في أسعار الطاقة عالميًا. كما تمتد التداعيات إلى اقتصادات كبرى مثل الصين، اليابان، الهند، وكوريا الجنوبية، التي تعتمد بشكل كبير على نفط الخليج، ما يعني تباطؤًا اقتصاديًا وارتفاعًا في كلفة الإنتاج وأزمات طاقة متتالية في المقابل، لا يوجد رابح حقيقي، بل مستفيدون مؤقتون، دول مثل الولايات المتحدة، روسيا، والنرويج قد تجني أرباحًا من ارتفاع الأسعار، لكنها تبقى رهينة تقلبات السوق. وكذلك المضاربون وبعض الدول ذات البدائل اللوجستية، يحققون مكاسب ظرفية لا تؤسس لاستقرار دائم. أما المفارقة الكبرى، فهي أن إيران نفسها ليست رابحة. فهي تعتمد بدورها على المضيق لتصدير نفطها، وأي إغلاق يعني خنق اقتصادها وتعميق عزلتها، وربما استدراج مواجهة عسكرية لا يمكن التحكم بمسارها. بذلك، تتحول ورقة هرمز من أداة ضغط إلى عبء استراتيجي.
ويبقى السؤال الأكثر حساسية، ماذا عن إسرائيل؟
هنا تتكشف المفارقة الأكثر قسوة، فإسرائيل لا تعتمد على المضيق، وتستند إلى مواردها في شرق المتوسط، ما يجعلها خارج دائرة الضرر المباشر. بل إن ارتفاع أسعار الطاقة قد يمنحها فرصة لتعزيز موقعها كمصدر غاز جديد إقليمياً، ويرفع من أهميتها الاقتصادية والسياسية. هكذا، في كل مرة تلوّح فيها إيران بإغلاق المضيق، تتصرف كمن يظن أنه يمسك بخناق العالم، الضرر يصيب الخليج وآسيا، والاقتصاد العالمي يتأرجح، فيما تقف إسرائيل خارج دائرة الاختناق، تراقب المشهد وتستفيد من تداعياته. الخلاصة أن ورقة هرمز، التي يُفترض أنها أداة ضغط، تتحول عمليًا إلى مرآة تعكس خللًا في التقدير. فبدل أن تُضعف الخصوم، تعيد توزيع القوة بطريقة تمنحهم فرصًا إضافية. وبين التهديد والتنفيذ، يتأكد مرة بعد أخرى أن من يلوّح بهذه الورقة يخسر قبل أن يبدأ. فإيران تضغط على إسرائيل من خلال ضرب دول الخليج وتأزيم اقتصاده، بمعنى مجازي نجد أن إيران لا تضغط على إسرائيل، بل تعمل لديها دون أجر.

جوزاف س. أمين | أخبار البلد