عقيدة المحيط في “السياسة الخارجية الإسرائيلية” وصراع الاستراتيجيات

whatsapp image 2025 11 06 at 15.22.09

اتفاقية أو عقيدة المحيط

إنها مفهوم استراتيجي في السياسة الخارجية الإسرائيلية، الفكرة لم تكن اتفاقية رسمية مكتوبة، بل استراتيجية تحالفات وهنا لا يمكن فهمها كتحالفات عادية، بل كتصور جيوسياسي كامل وضعه دافيد بن غوريون لتأمين بقاء إسرائيل في بيئة إقليمية معادية بعد قيامها عام 1948
انطلقت العقيدة من قراءة جغرافية سياسية بسيطة، فالعالم العربي يشكّل كتلة جغرافية وسياسية متصلة تحيط بإسرائيل من كل الجهات تقريباً. هذه الكتلة كانت في ذلك الوقت تقودها أنظمة قومية معادية لإسرائيل، خصوصاً بعد صعود جمال عبد الناصر لذلك رأى بن غوريون أن محاولة كسر هذه الكتلة من الداخل صعبة، فاختار استراتيجية مختلفة، ألا وهي الالتفاف حولها عبر بناء تحالفات مع الدول غير العربية التي تقع على أطرافها، بعبارة أخرى مركز مؤلف من دول عربية ومحيط مؤلف من الدول غير العربية المجاورة لتلك الدول. هنا يكمن السؤال، ما هو جوهر تلك الفكرة؟
 جوهرها إنشاء طوق استراتيجي مضاد حول الدول العربية يتكوّن من دول لديها أسبابها الخاصة للتعاون مع إسرائيل، كتركيا التي كانت تخشى المد القومي العربي وإيران في عهد الشاه أي قبل ثورة 1979 التي كانت تسعى إلى نفوذ إقليمي مستقل وإثيوبيا التي كانت تخشى العزلة في القرن الأفريقي بهذه الطريقة تصبح إسرائيل جزءاً من شبكة إقليمية أوسع بدل أن تكون محاصرة. العمق الأساسي غير المباشر أن إسرائيل تعاني من مشكلة جغرافية كبيرة استناداً الى مساحتها الصغيرة وكونها لا تمتلك عمقاً استراتيجياً في حالة الحروب، فعقيدة المحيط حاولت التعويض عن ذلك من خلال تعاون استخباراتي، وصول الى ممرات بحرية ومعلومات عسكرية وبناء علاقات تسمح بضغط غير مباشر على الدول العربية، أضف الى ذلك، جانب لا يقل أهمية هو التواصل مع الأقليات غير العربية او غير السنية في المنطقة، أقليات قومية، دينية وكيانات أخرى تخشى الهيمنة العربية وهنا يقبع التوجه المساعد للفكرة الأساسية الا وهي بناء شبكة علاقات متعددة المستويات وليس علاقات دولية فقط. ببساطة الهدف النهائي لن يكون مجرد صداقة مع بعض الدول بل المطلوب تحقيق ثلاث اهداف على الأقل، كسر العزلة السياسية، تقليل قدرة الدول العربية على تشكيل جبهة موحدة وخلق توازن إقليمي يسمح لإسرائيل بالبقاء والتوسع دبلوماسياً واقتصادياً.
ما يهمنا في لبنان هو فهم الواقع على حقيقته، هل إسرائيل هي عدو أم صديق أو بأفضل الأحوال ما زالت حتى الآن تتأرجح بين الاثنين بحسب نظرة المكونات الداخلية اللبنانية، لكن كيف بدأت هذه العلاقة؟ 
من المفيد للأجيال اللبنانية الاطلاع على التاريخ لفهم الحاضر المذري الذي نمر به من جرّاء سوء العلاقة بين لبنان وإسرائيل. عندما اندلعت الحرب العربية الإسرائيلية 1948، فتح لبنان جبهة الجنوب ضمن الحرب التي خاضتها الدول العربية ضد إسرائيل، في حينها السؤال الأساسي هو من تعدّى على من؟ الجواب كان المتعدي الحكومة اللبنانية. حين توقفت المعارك، وُقِّع اتفاق وقف القتال ضمن اتفاقية الهدنة 1949 برعاية الأمم المتحدة، ما ثبّت الحدود وأوقف الحرب بين الدولتين التي بدأها لبنان للأسف. لكن المشكلة لم تكن في تلك الحرب بحد ذاتها، بل فيما تلاها. فبدلاً من تثبيت الهدنة وحماية السيادة اللبنانية، تحوّل الجنوب تدريجياً إلى ساحة صراع إقليمي. وبعد توقيع اتفاق القاهرة 1969، أصبحت الأراضي اللبنانية منصة لعمليات الفصائل الفلسطينية ضد إسرائيل. ومن هناك بدأت دورة العنف عمليات عبر الحدود يقابلها رد عسكري، ثم ردود مضادة، لتصبح أرض لبنان وقوداً لصراع لا يخدم دولته ولا شعبه. مع مرور الوقت لم تتوقف هذه الحلقة، بل تبدلت الوجوه. بعد خروج المنظمات الفلسطينية من لبنان، ورث الدور تنظيم حزب الله المدعوم من إيران، ليبقى الجنوب ساحة مواجهة مرتبطة بمشاريع إقليمية تتجاوز القرار اللبناني. وهكذا وجد لبنان نفسه عالقاً في معادلة خطيرة، حرب تُقرَّر خارج مؤسساته، ونتائجها يدفع ثمنها شعبه واقتصاده واستقراره. إن قراءة صادقة لهذا التاريخ تُظهر أن جزءاً كبيراً من المأساة اللبنانية لم ينشأ فقط من الصراع العربي الإسرائيلي، بل من تحويل لبنان إلى منصة لحروب الآخرين. وكلما استُخدمت أرضه لإطلاق النار، جاء الرد على أرضه أيضاً، ليبقى اللبنانيون أسرى دائرة لا تنتهي من الدمار. لهذا تبرز الحقيقة التي يتجنب كثيرون قولها.
لبنان لا يحتاج إلى المزيد من الجبهات، بل إلى استعادة قراره الوطني. فالدول لا تُبنى بالشعارات ولا بتصدير المعارك، بل بحماية الأرض والإنسان. وربما آن الأوان لطرح السؤال الذي طال تأجيله، إذا كانت الحروب لم تجلب للبنان سوى الخراب منذ عقود، أفلا يكون الطريق الأسلم هو الانتقال من منطق الجبهات إلى منطق السلام، والاهتمام أخيراً بلبنان وشعبه قبل أي قضية أخرى؟ لهذه الأسباب وغيرها فشل الانموذج اللبناني لعقيدة المحيط، حلقة معقدة بتركيبة طائفية هشة وتدخلات إقليمية حولت لبنان الى ساحة صراع متعدد الأطراف. هذه الفكرة استفادت منها الجمهورية الإسلامية في ايران، وطبقتها لتحول الساحة الى ساحة صراع بين مشروعين اقليميين إسرائيل وايران، لكن الفارق ان إسرائيل كانت تبحث عن حلفاء لضمان أمنها وكسر عزلتها أما ايران فقد تبنت سياسة بناء شبكة حلفاء مسلحين خارج حدودها الجغرافيا فدعمت في لبنان حزب الله ليمارس دوراً اقل ما يقال فيه أنه إلغائي للبنان الذي نعرفه وتحويله الى جزء من الدولة الإسلامية التي يحكمها صاحب الزمان ونائبه في الأرض الذي كان الخميني في حينها وستتغير الأسماء الى ان يسقط هذا النظام التوسعي الإلغائي. لهذا لبنان اليوم لم يعد جزءاً من عقيدة المحيط القديمة، بل عقدة مركزية في الصراع الإقليمي الحديث.

جوزاف س. أمين | أخبار البلد