
يقف لبنان اليوم أمام فرصة تاريخية للخروج من دوامة الأزمات والصراعات التي استنزفته لعقود طويلة. فبعد سنوات من الحروب والانقسامات والانهيارات الاقتصادية والمؤسساتية، بات واضحاً أن الاستمرار في السياسات نفسها لن يؤدي إلا إلى المزيد من التراجع، فيما يحتاج الوطن إلى رؤية جديدة تنطلق من مصلحة لبنان أولاً وأخيراً.
لقد أثبتت التجارب أن الدول لا تُبنى بالسلاح الخارج عن مؤسساتها، ولا تزدهر في ظل تعدد مراكز القرار، ولا تستطيع أن تمارس سيادتها الكاملة ما دام قرار الحرب والسلم خارج إطار الدولة. لذلك، فإن المصلحة الوطنية العليا تقتضي العمل الجاد من أجل استكمال كل المسارات السياسية والدبلوماسية التي من شأنها تثبيت الاستقرار والوصول إلى حلول نهائية تضع لبنان على سكة الدولة الطبيعية، دولة المؤسسات والقانون والسيادة.
في هذا السياق، لا بد من التأكيد أن أي اتفاق أو تفاهم بين الولايات المتحدة وإيران يبقى شأناً يخص الدولتين ومصالحهما الاستراتيجية الخاصة. أما لبنان، فلا يجوز أن يبقى رهينة انتظار ما يقرره الآخرون أو ما يتفقون عليه. فالأوطان التي تحترم نفسها لا تربط مستقبلها بتفاهمات خارجية، بل تنطلق من مصالحها الوطنية المباشرة وتسعى إلى تحقيقها بإرادتها الحرة.
من هنا، فإن على لبنان متابعة كل المفاوضات التي تخدم مصالحه الوطنية العليا، والعمل للوصول إلى خاتمة تضمن الاستقرار الدائم وتكرّس سيادته الكاملة على أرضه وحدوده وقراره السياسي والأمني. فالمعيار الحقيقي لأي مسار تفاوضي ليس إرضاء هذا المحور أو ذاك، بل تحقيق مصلحة الدولة اللبنانية وتعزيز قدرتها على ممارسة سلطتها الحصرية على كامل أراضيها. إن السيادة ليست شعاراً يُرفع في الخطابات، بل واقعاً سياسياً ودستورياً وأمنياً يتجسد في احتكار الدولة وحدها لوسائل القوة الشرعية. ولذلك فإن بناء دولة سيدة وحرة ومستقلة يقتضي إنهاء ظاهرة السلاح غير الشرعي بكل أشكاله ومسمياته، وحصر المسؤوليات الأمنية والعسكرية بالمؤسسات الدستورية المختصة وفي مقدمتها الجيش اللبناني والقوى الشرعية.
لقد دفع اللبنانيون أثماناً باهظة من أرواحهم وأرزاقهم واستقرارهم، ومن حقهم أن يعيشوا في وطن طبيعي، لا ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين ولا صندوق بريد لتبادل الرسائل الإقليمية. ومن حق الأجيال القادمة أن ترث دولة واحدة، بقرار واحد، وسلطة واحدة، وسلاح واحد.
اليوم أكثر من أي وقت مضى، يحتاج لبنان إلى شجاعة القرار الوطني، إلى التمسك بخيار الدولة فوق كل اعتبار. فاستكمال مسار المفاوضات وصولاً إلى حلول نهائية تحفظ مصالح لبنان وتكرّس سيادته الكاملة، بالتوازي مع بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها ونزع سلاح الميليشيات كافة، ليس مجرد خيار سياسي بين خيارات متعددة، بل هو الطريق الوحيد نحو قيام دولة حقيقية قادرة على حماية مواطنيها وتأمين مستقبلهم وصون استقلالها وكرامتها بين الأمم.